مرصد إقليدس (Euclid)
يعد مرصد إقليدس عين أوروبا على الكون المظلم (Euclid) ، وهو أحد أضخم المشاريع العلمية التي أطلقتها أوروبا في القرن الحادي والعشرين لدراسة بنية الكون وتاريخه. ويهدف إلى الإجابة عن اثنين من أكبر الأسئلة التي تواجه علم الكونيات الحديث: ما طبيعة المادة السوداء؟ وما طبيعة الطاقة السوداء التي يُعتقد أنها تقود التمدد المتسارع للكون؟
يقود المشروع وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) ضمن برنامجها العلمي Cosmic Vision (أي "الرؤية الكونية" وهو اسم برنامج استراتيجي طويل الأمد وضعته الوكالة لتحديد أولويات أبحاث الفضاء بين عامي 2015 و2035 تقريباً). مع مساهمة من وكالة الفضاء الأمريكية (NASA)، غير أن الجانب العلمي للمهمة يعتمد على اتحاد Euclid Consortium، وهو ائتلاف علمي دولي أُنشئ خصيصاً لهذه المهمة.
ولا يمثل هذا الاتحاد مؤسسة واحدة تعمل من مركز واحد، بل هو شبكة واسعة من الجامعات ومراكز البحوث المنتشرة في عدة دول. ومع ذلك فهو لا يعمل بصورة لا مركزية تماماً، إذ يمتلك هيكلاً إدارياً واضحاً يضم رئيساً للاتحاد، ولجاناً تنفيذية وعلمية، ومسؤولين عن مختلف فرق العمل. وتقوم هذه الإدارة بتنسيق جهود المؤسسات المشاركة، بينما تنفذ الفرق العلمية والهندسية أعمالها في مراكزها الأصلية.
يضم الاتحاد أكثر من ألفي عالم ومهندس وتقني، ينتمون إلى أكثر من ثلاثمائة جامعة ومعهد ومركز أبحاث في دول أوروبية عديدة، إضافة إلى الولايات المتحدة وكندا واليابان ودول أخرى. ويتولى هذا الاتحاد تصميم الأجهزة العلمية، وتطوير البرمجيات، وإنشاء مراكز معالجة البيانات، وتحليل النتائج العلمية ونشرها، بينما تتولى وكالة الفضاء الأوروبية بناء المركبة الفضائية وإطلاقها وتشغيلها.
بدأت فكرة المشروع عام 2007 عندما دعت وكالة الفضاء الأوروبية إلى تقديم مقترحات لمهمات فضائية جديدة، ثم وقع الاختيار على مشروع Euclid عام 2011، وأُقرّ رسمياً عام 2012 لتبدأ بعد ذلك مراحل التصميم والبناء. وأسند بناء المركبة الفضائية إلى شركة Thales Alenia Space Italia، بينما صمم اتحاد Euclid الجهازين العلميين الرئيسيين.: كاميرا الضوء المرئي عالية الدقة (VIS)، وجهاز التصوير والتحليل الطيفي في نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة (NISP)، اللذين يشكلان القلب العلمي للمرصد.
بلغت الكلفة الإجمالية للمشروع نحو 1.4 مليار يورو، شملت تصميم المركبة الفضائية وبناءها، والأجهزة العلمية، وإطلاقها إلى الفضاء، وإنشاء البنية الأرضية اللازمة لتلقي البيانات وتشغيل المهمة ومعالجتها طوال سنوات عملها.
أُطلق المرصد في الأول من يوليو/تموز 2023 على متن صاروخ Falcon 9، واتجه إلى نقطة لاغرانج الثانية (L2). وتقع هذه النقطة على الخط الواصل بين الشمس والأرض، ولكن بعد الأرض في الاتجاه نفسه، أي على بعد نحو 1.5 مليون كيلومتر من الأرض. وبعبارة أخرى، إذا رسمنا خطاً مستقيماً يبدأ من الشمس ويمر بالأرض، فإن المرصد يوجد على امتداد هذا الخط خلف الأرض.
ولا يبقى المرصد ساكناً تماماً في هذه النقطة، بل يتحرك في مدار واسع حولها يسمى مدار هالة (Halo Orbit)، مع تصحيحات دورية للمسار بواسطة محركات صغيرة. ويتميز هذا الموقع بأنه يوفر بيئة مستقرة وباردة، حيث تبقى الشمس والأرض والقمر تقريباً في الاتجاه نفسه بالنسبة إلى المرصد، مما يسمح باستخدام درع حراري واحد لحجب الإشعاع والحرارة، ويجعل ظروف الرصد أكثر ملاءمة.
وبعد أشهر من الاختبارات والمعايرة، بدأ المرصد مهمته العلمية رسمياً في فبراير/شباط 2024، ومن المقرر أن تستمر هذه المهمة نحو ست سنوات، ينجز خلالها أكبر مسح فضائي للكون حتى الآن.
يهدف إلى رسم خريطة ثلاثية الأبعاد لجزء كبير من الكون، تشمل أكثر من 1.5 مليار مجرة تمتد عبر ما يقارب عشرة مليارات سنة من التاريخ الكوني، وتغطي نحو ثلث السماء. ويحقق ذلك من خلال قياس أشكال المجرات بدقة فائقة، ورصد ظاهرة العدسات الجاذبية الضعيفة التي تكشف توزيع المادة السوداء، إضافة إلى قياس الانزياح الأحمر للمجرات لتتبع تاريخ تمدد الكون.
وتكمن أهمية هذا المشروع في أنه لا يقيس المادة السوداء أو الطاقة السوداء مباشرة، إذ لا يمكن رصدهما أو تصويرهما، وإنما يستدل على وجودهما من خلال آثارهما في حركة المجرات، وفي تشوه الضوء القادم من الأجرام البعيدة، وفي كيفية تغير معدل تمدد الكون عبر الزمن.
ورغم أن المهمة ما تزال في بدايتها، فقد حقق المرصد حتى الآن نتائج مهمة. فقد أثبتت الاختبارات أن جودة صوره تفوق التوقعات، ونشر أولى صوره العميقة التي كشفت ملايين المجرات بتفاصيل غير مسبوقة، كما اكتشف آلاف العدسات الجاذبية الجديدة، وبدأ بإنتاج أدق الخرائط حتى الآن لتوزيع المادة السوداء في الكون.
ومع ذلك، فإن أهم ما ينتظره العلماء من Euclid لم يتحقق بعد. فالمهمة صُممت لتستمر عدة سنوات، ولن تُستخلص نتائجها النهائية إلا بعد تحليل الكميات الهائلة من البيانات التي سيرسلها. ويعلق علماء الكونيات آمالاً كبيرة على هذه البيانات لأنها ستوفر اختباراً مستقلاً للنموذج الكوني القياسي، ولا سيما بعد النتائج الأخيرة التي أعلنها مشروع DESI، والتي أشارت إلى احتمال أن تكون الطاقة السوداء غير ثابتة كما كان يُعتقد.
فإذا جاءت قياسات Euclid متوافقة مع نتائج DESI، فقد يواجه النموذج الكوني الحالي أول تعديل جوهري له منذ اكتشاف تسارع تمدد الكون عام 1998، وربما يفتح ذلك الباب أمام فهم جديد لطبيعة الطاقة السوداء أو حتى للجاذبية نفسها. أما إذا اختلفت النتائج، فسيتعين على العلماء إعادة تقييم الفرضيات الحالية، وهو ما يجعل السنوات القليلة المقبلة من أكثر الفترات إثارة في تاريخ علم الكونيات.
ويمثل مرصد Euclid نموذجاً واضحاً لطبيعة البحث العلمي في العصر الحديث؛ فالمشروعات الكبرى لم تعد ثمرة جهود علماء أفراد أو حتى دولة واحدة، بل أصبحت إنجازات جماعية يشترك فيها آلاف العلماء والمهندسين من مختلف أنحاء العالم، يتقاسمون المعرفة والخبرة والموارد سعياً إلى الإجابة عن أسئلة تتجاوز حدود الدول وتمس فهم الإنسان للكون بأسره.
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق