مرصد فيرا سي. روبين: أكبر آلة لتصوير السماء المتغيرة
(Vera C. Rubin Observatory) هو أحد أكبر المشروعات الفلكية التي أُنشئت على سطح الأرض في القرن الحادي والعشرين، ويمثّل، إلى جانب مشروع DESI الأمريكي ومرصد Euclid الأوروبي، أحد الأعمدة الرئيسة التي يعول عليها علماء الكونيات لفهم طبيعة المادة السوداء والطاقة السوداء وتاريخ تمدد الكون.
وسُمِّي المرصد باسم عالمة الفلك الأمريكية فيرا سي. روبين، التي قدمت في سبعينيات القرن الماضي أدلة رصدية قوية على وجود المادة السوداء من خلال دراستها لسرعات دوران المجرات، أحدثت تحولاً عميقاً في علم الكونيات.
يقع المرصد على قمة سيرو باتشون (Cerro Pachón) في جبال الأنديز شمال تشيلي، على ارتفاع يقارب 2700 متر فوق سطح البحر. اختير هذا الموقع لما يتميز به من سماء شديدة الصفاء، وجفاف الهواء، وانخفاض التلوث الضوئي، وهي عوامل تجعل منه أحد أفضل مواقع الرصد الفلكي في العالم.
بدأت فكرة المشروع عام 2003 تحت اسم التلسكوب الكبير للمسح السينوبتيكي (Large Synoptic Survey Telescope - LSST)، ثم بدأت أعمال البناء عام 2014. وبعد سنوات من أعمال الإنشاء والتجهيز، اكتملت المكونات الرئيسة للمرصد، وبدأت مرحلة الاختبارات وإنتاج الصور الأولى، قبل انطلاق برنامج الرصد العلمي الكامل الذي سيستمر نحو عشر سنوات.
يديره كل من المؤسسة الوطنية للعلوم الأمريكية (NSF) ووزارة الطاقة الأمريكية (DOE). وقد تولت المؤسسة الوطنية للعلوم تمويل بناء التلسكوب والقبة والمنشآت، في حين موّلت وزارة الطاقة الكاميرا الرقمية العملاقة وأنظمة معالجة البيانات. أما تشغيله فيتولاه كل من NOIRLab ومختبر المسرع الوطني SLAC.
يتمتع بتعاون علمي دولي واسع. فبعد اكتمال بنائه انضمت إليه مؤسسات بحثية من أكثر من أربعين دولة، ويشارك في برامجه العلمية أكثر من ألفي عالم ومهندس من الولايات المتحدة وأوروبا وكندا واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والبرازيل وتشيلي وغيرها. غير أن هذا التعاون يختلف عن مشروع Euclid؛ الذي كان مشروعاً دولياً منذ مرحلة التصميم والتمويل، أما مرصد روبين هو مشروع أمريكي فُتح لاحقاً أمام مشاركة المجتمع العلمي العالمي في استثمار بياناته وتحليلها.
بلغت كلفته الإجمالية نحو 800 مليون دولار أمريكي، شملت بناء التلسكوب والقبة والكاميرا العملاقة والبنية المعلوماتية ومراكز معالجة البيانات.
كاميرا المرصد هي أكبر كاميرا رقمية صُنعت حتى الآن لعلم الفلك، إذ تبلغ دقتها نحو 3.2 غيغابكسل، وتستطيع تصوير مساحة واسعة جداً من السماء في تعريض واحد. ومن المتوقع أن ينتج المرصد نحو 20 تيرابايت من البيانات كل ليلة، وأن يجمع خلال مدة المشروع ما يزيد على 60 بيتابايت من البيانات، وهو ما يجعله أحد أضخم منتجي البيانات العلمية في العالم.
تتمثل مهمته في تصوير السماء الجنوبية بأكملها بصورة متكررة على مدى عشر سنوات، بحيث يعيد تصوير كل منطقة من السماء كل عدة ليالٍ. وبهذه الطريقة سينتج ما يشبه "فيلماً زمنياً" للسماء، يمكن من خلاله رصد كل ما يتغير فيها، سواء أكان مستعراً أعظم، أم مذنباً، أم كويكباً، أم نجماً متغيراً، أم تغيراً في أشكال المجرات البعيدة.
ومن المتوقع أن يرصد نحو 20 مليار مجرة، ويكتشف ملايين الكويكبات والمذنبات، وآلاف المستعرات العظمى، إضافة إلى متابعة الأجسام المتغيرة والمتحركة بدقة غير مسبوقة.
تكمن أهميته بالنسبة لعلم الكونيات في أنه سيوفر قياسات دقيقة لتوزيع المجرات، ولظاهرة العدسات الجاذبية الضعيفة، ولنمو البنية الكونية عبر الزمن. وستُستخدم هذه القياسات لاختبار النماذج المختلفة للمادة السوداء والطاقة السوداء، ومقارنتها بالنتائج التي يقدمها كل من DESI وEuclid.
لا تزال المهمة في مراحلها الأولى، لذلك لم يعلن المرصد اكتشافات حاسمة تتعلق بالطاقة السوداء أو المادة السوداء. أثبتت النتائج المنشورة حتى الآن كفاءة الأجهزة وجودة الصور وبداية تكوين قواعد البيانات الضخمة التي ستُبنى عليها الاكتشافات العلمية في السنوات المقبلة.
يمثل هذا المرصد، مع DESI وEuclid، جيلاً جديداً من المشروعات العلمية العملاقة التي تعتمد على التعاون بين آلاف العلماء والمهندسين، وعلى معالجة كميات هائلة من البيانات، من أجل الإجابة عن أسئلة تعد من أعظم الأسئلة التي واجهها الإنسان منذ بدأ يتأمل الكون: كيف نشأ الكون؟ وكيف يتطور؟ وما طبيعة المادة والطاقة اللتين تشكلان معظم محتواه؟

تعليقات
إرسال تعليق