الكيوبت Qubit

 



عندما نفكر في الحاسوب العادي، فإن أصغر وحدة للمعلومة فيه هي البت، والبت لا يكون إلا في إحدى حالتين 0 أو 1 ، وتحقيق ذلك فيزيائياً يكون بواسطة دارات إلكترونية قوامها الترانزستور. كل العمليات الرقمية التي نعرفها، مهما بدت معقدة، تقوم في النهاية على هذا المبدأ البسيط. لكن في عالم الحوسبة الكمومية يظهر كيان مختلف تماماً، هو الكيوبت Qubit، أي الوحدة الأساسية للمعلومة الكمومية.
الكيوبت يشبه البت من حيث كونه وحدة للمعلومة، لكنه يختلف عنه في طبيعته اختلافاً جذرياً. فالبت التقليدي يكون إما 0 أو 1، أما الكيوبت فيمكن أن يكون في الحالة ∣0، أو في الحالة  (ويُقرأ الرمز "كيت واحد"، أي الحالة الكمومية التي تعطي النتيجة 1 عند القياس). أو في تراكب كمومي بين الحالتين معاً. ولهذا لا يكون الكيوبت مجرد خانة رقمية ثابتة، بل حالة كمومية قابلة لأن تجمع الإمكانين في الوقت نفسه إلى أن تتمّ عملية القياس. يجب التنويه إلى أن الرمزين و فهما لا يعنيان الرقمين 0 و 1 بالمعنى الحسابي البسيط، بل يمثلان حالتي الأساس للكيوبت، أي الحالتين الكموميتين اللتين يُبنى منهما أي وضع آخر.
والكيوبت هو نظام فيزيائي نستخدم حالته لتمثيل المعلومة. قوامه الأساسي جسيماً ذرياً مثل الإلكترون (لف مغزلي لأعلى / لأسفل) أو الأيون (مستويان من الطاقة) أو الفوتون المستقطب (استقطاب أفقي / عمودي) أو دارة فائقة التوصيل. نحدد فيه حالتين واضحتين من الحالات المذكورة للتو، نسمى واحدة ∣0⟩ منها والثانية ∣1. نقوم بعد ذلك بتهيئة الكيوبت بوضعه على حالة ابتدائية غالباً ما تكون الحالة . بعد ذلك بالتحكم فيه لتغيير حالته إلى الحالة التي نريد ترميزها (أي المعلومة المخزنة) باستخدام نبضات دقيقة. وعند قياسه حالته سنجده إما 0 أو 1.
الكيوبت إذن ليس وعاءً نضع فيه معلومة جاهزة، كما لو كنا نملأ صندوقاً من الخارج، بل هو نظام فيزيائي صغير جداً تكون حالته نفسها هي المعلومة. يبدأ هذا النظام، سواء كان إلكتروناً أو أيوناً أو فوتوناً مستقطباً، في حالة ابتدائية معروفة نهيئه عليها عمداً. بعد ذلك لا نرسل إليه “معلومة” منفصلة عنه، بل نؤثر فيه بنبضات تحكم دقيقة تغيّر حالته. وهنا بالضبط تُكتب المعلومة: لا بإدخال شيء إلى الكيوبت، بل بجعل الكيوبت نفسه يتخذ الحالة التي نريدها.
فإذا بقي في حالة معينة سمّيناها ، كانت هذه هي المعلومة. وإذا نُقل إلى الحالة ، أصبحت تلك هي المعلومة. وإذا وُضع في تراكب بين الحالتين، صار يحمل معلومة كمومية لا تشبه المعلومة التقليدية. وعندما نقيسه في النهاية، نعرف إلى أي حالة انتهى. لذلك فالمعلومة في الكيوبت ليست شيئاً يُضاف إليه من الخارج، بل هي الأثر الذي تتركه عملية التهيئة والتحكم في حالته الكمومية نفسها.
يجب الانتباه إلى أن الصعوبة الحقيقية لا تكمن فقط في صنع الكيوبت، بل في الحفاظ عليه. فالحالة الكمومية حساسة جداً لأي تأثير خارجي: حرارة أو اهتزاز أو ضجيج كهربائي أو تفاعل غير مرغوب مع البيئة. وإذا حدث هذا التفاعل، فقد يفقد الكيوبت تماسكه الكمومي، وهي ظاهرة تُعرف باسم إزالة التماسك decoherence أو فك الترابط. وعندها يتصرف النظام بطريقة أقرب إلى الأنظمة العادية، وتضيع الميزة التي تجعل منه كيوبتاً مفيداً. لهذا السبب تحتاج الحواسيب الكمومية إلى عزل شديد، وتحكم بالغ الدقة، وأحياناً إلى تبريد قريب جداً من الصفر المطلق.
وهكذا يمكن القول إن الكيوبت هو أكثر من مجرد بديل متطور للبت. إنه تمثيل جديد للمعلومة نفسها، قائم على مبادئ ميكانيك الكم. فهو يبدأ من نظام فيزيائي صغير، تُختار فيه حالتان أساسيتان، ثم يُمنح القدرة على التراكب والقياس والتحكم. ومن هذا كله ينشأ الفرق الجوهري بين الحاسوب التقليدي والحاسوب الكمومي: فالأول يبني عالمه من حالات ثابتة، أما الثاني فيبنيه من حالات كمومية مرنة، لا تتحدد نهائياً إلا في لحظة القياس.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أيام الكواكب وسنواتها

الاتحاد الأوروبي

قواعد المنطق الرئيسية الثلاث

قانون نيوتن الثاني

قانون نيوتن الأول

البركان

التركيب الضوئي

مصباح التوهج الكهربائي

الغلوسيدات

العصر الحجري الحديث Neolithic