موجز الأورغانون الجديد (Novum Organum) لفرانسيس بيكون



سيطر أورغانون أرسطو زمناً طويلاً على الفلسفة، ولا سيما على المنطق. ولما كان مجال هذا المنطق هو الجدل والفتوى أكثر من كونه أداةً للاكتشاف العلمي، سعى المفكر ورجل الدولة البريطاني فرانسيس بيكون إلى كتابة "أورغانون جديد" يساعد على الاكتشاف العلمي، لا بالجدل وحده. فقد كان بيكون يعتقد أن في العلم نفعاً مباشراً للبشرية، وأن العلم ليس تأمّلاً نظرياً خالصاً، بل أداة لتحسين حياة البشر والسيطرة على الطبيعة لصالحهم. ومن هذا المنطلق كان تصوّره للمجتمع العلمي المستقبلي يحمل طابعاً طوباوياً إلى حدّ ما، إذ تخيّل مجتمعاً تحكمه المعرفة والعلم.
يرى بيكون أن المنطق الأرسطي الصوري (القياسي) لا يؤدي إلى اكتشاف معارف جديدة، بل يكتفي بتأكيد ما هو معلوم سلفاً. فحين نقول مثلاً: المعادن تتمدّد بالحرارة، الحديد معدن، إذن الحديد يتمدّد بالحرارة، فنحن لا نضيف معرفة جديدة، بل نستخرج نتيجة متضمَّنة في المقدمات. بل إن هذا المنطق قد يؤدي أحياناً إلى مغالطات إذا كانت مقدماته خاطئة، كما في القول: الأجسام الثقيلة تسقط أسرع من الأجسام الخفيفة، الحجر أثقل من الخشب، إذن قطعة حجر صغيرة ستصل إلى الأرض قبل قطعة صغيرة مماثلة من الخشب، وهو استدلال صحيح شكلياً، لكنه خاطئ تجريبياً.
نُشر كتاب "الأورغانون الجديد" سنة 1620 باللاتينية، سعى فيه بيكون إلى هدم المنطق الأرسطي القياسي وبناء منهج جديد يقوم على الملاحظة الدقيقة والتجربة والاستقراء المنظَّم والتراكم المعرفي. غير أن بيكون يرى أن بناء العلم لا يمكن أن يتم قبل تنظيف العقل من أربعة أصناف من الأوهام أو "الأوثان":
وثن القبيلة (أو الرهط)، وهو نابع من طبيعة الإنسان نفسه، إذ يظن أنه يعرف الأشياء كما هي، في حين أن معرفته بها تمرّ عبر حواسه المحدودة.
وثن الكهف، ويتمثل في تحيّزات الفرد الناتجة عن تربيته وثقافته وميوله الشخصية.
وثن السوق، ويكمن في أخطاء اللغة، وغموض المفاهيم، وسوء استعمال الكلمات في التواصل اليومي والعلمي.
وثن المسرح، وهو ناتج عن الخضوع للأنساق الفكرية الجاهزة والمذاهب الفلسفية الموروثة، التي تشبه عروضاً مسرحية متقنة الإخراج، تجعلنا نبالغ في تقدير الأفكار القديمة وأصحابها، كما هو الحال في التعلّق الأعمى بمنطق أرسطو ومقاربته غير التجريبية للطبيعة.
لهذا يرفض بيكون الاستنباط الصوري الخالص، كما يرفض في الوقت نفسه الاستقراء الساذج القائم على ملاحظات قليلة وغير منظَّمة. ومع ذلك، لم يكن بيكون عالماً تجريبياً بالمعنى الدقيق، بل كان منظّراً للعلم. وقد عاصر مرحلة تقدّم علمي وتقني مهم في مجالات مثل الملاحة والطباعة والبارود، الأمر الذي جعله يعتقد أن المعرفة لا تنتجها الجامعة وحدها، بل أيضًا المخابر والورش.
على الرغم من الأهمية التأسيسية لمشروع بيكون، فإن منهجه الاستقرائي الصارم ظلّ نظرياً أكثر منه عملياً. فقد بيّنت تطوّرات العلم اللاحقة أن الاكتشاف العلمي لا يقوم على الاستقراء وحده، بل يحتاج إلى الفرضيات، والنماذج الرياضية، والخيال العلمي، وهي عناصر لم يمنحها بيكون وزناً كافياً. كما أن تطهير العقل من "الأوثان" هدفٌ طموح، لكنه يظلّ مثالياً، إذ لا يمكن للباحث أن يتحرّر كلياً من اللغة أو الثقافة أو الأطر النظرية. ومع ذلك، تبقى القيمة الكبرى لبيكون في كونه مهندس القطيعة مع الفكر المدرسي، ومَن وضع الأساس الفلسفي لتحوّل العلم إلى مشروع منهجي جماعي، لا مجرّد تأمّل فردي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أيام الكواكب وسنواتها

الاتحاد الأوروبي

قواعد المنطق الرئيسية الثلاث

قانون نيوتن الثاني

قانون نيوتن الأول

البركان

التركيب الضوئي

الغلوسيدات

مصباح التوهج الكهربائي

العصر الحجري الحديث Neolithic