المكان
في التعريف العام المباشر، هو الإطار الذي تُحدَّد فيه مواضع الأشياء، وتُدرَك داخله العلاقات المكانية، مثل القرب والبعد، والداخل والخارج، والأعلى والأسفل، والثبات والحركة. غير أنّ المكان لا يقتصر على كونه امتداداً هندسياً قابلاً للقياس، بل هو مفهوم مركّب تتداخل فيه أبعاد متعدّدة: فيزيائية، وإدراكية، ووجودية، واجتماعية رمزية.
في الفلسفة القديمة، عرّف أرسطو المكان بوصفه الحدّ الداخلي للجسم الحاوي (Topos)، أي إنه تابع للأجسام ولا وجود له مستقلاً عنها. وعلى النقيض من ذلك، رأى ديموقريطس في المكان فراغاً موجوداً وجوداً حقيقياً تتحرك فيه الذرّات، معتبراً أن الحركة لا يمكن أن تتحقق بدونه. أمّا ديكارت فقد اختزل المكان في الامتداد، وجعله موضوعاً رياضياً خالصاً قابلاً للقياس.
ومع نيوتن، اكتسب المكان طابعاً مطلقاً، لامتناهياً وثابتاً، تُقاس الحركة بالنسبة إليه، مما جعله أشبه بـوعاء محايد يحتوي الأجسام دون أن يتأثر بها. غير أنّ هذا التصور تعرّض لزعزعة جذرية مع آينشتاين، الذي أعاد تعريف المكان ضمن إطار النسبية، حيث لم يعد كياناً مستقلاً أو ثابتاً، بل أصبح نسبياً ومندمجاً بالزمان في بنية واحدة هي الزمكان. فوفق النسبية العامة، تتأثر بنية الزمكان بوجود المادة والطاقة، ويُفهم ما نسمّيه الجاذبية على أنه انحناء في الزمكان، لا قوة تعمل في مكان ثابت.
في المقاربات الفلسفية الحديثة، نظر هوسرل إلى المكان بوصفه تجربة معاشة، لا مجرد بنية هندسية موضوعية، وأكّد هايدغر هذا المنظور حين اعتبر المكان جزءاً من الوجود-في-العالم، أي إنه معنى يُبنى عبر السكن والفعل، قبل أن يكون امتداداً فيزيائياً.
أمّا الفلسفات الشرقية، فتنظر إلى المكان على أنه نمط من الحضور والتدفّق والتوازن الكوني، لا وعاءً محايداً. فالبوذية، على سبيل المثال، ترى أن المكان غير مستقل عن العلاقات والظروف، ولا يمتلك وجوداً جوهرياً ثابتاً، بل يتحدّد ضمن شبكة من الاعتماد المتبادل.

تعليقات
إرسال تعليق