موجز مبسّط لكتاب «نقد العقل المحض» لإيمانويل كانط
انطلق كانط من ملاحظة أساسية مفادها أن العلم، ولا سيما الرياضيات والفيزياء، يقدّم معرفة دقيقة ويقينية، في حين أن الفلسفة تعاني من اختلافات وتناقضات حادة، خاصة في موضوعات مثل النفس، والله، والكون. من هنا طرح سؤالًا جوهريًا: كيف نعرف؟ وما الذي يمكن للعقل أن يعرفه فعلًا؟
وكتاب "نقد العقل المحض"، أو "نقد العقل الخالص"، هو محاولة للإجابة عن هذا السؤال من خلال فحص العقل نفسه وحدود قدرته. تقوم فكرته الأساسية على أن العقل لا ينسخ الواقع كما هو، بل يشبه عدسة أو قالباً يمرّ الواقع من خلاله قبل أن نراه. أي أننا لا ندرك الأشياء كما هي في ذاتها، بل كما يسمح لنا عقلنا أن ندركها. ولتقريب الفكرة، يمكن تشبيه العقل بنظارة ملوّنة: فكل ما نراه يكتسب لون العدسة، وليس اللون صفة في الأشياء ذاتها، بل في طريقة رؤيتنا لها. كذلك فإن عقلنا هو الذي ينظّم ما نراه ويمنحه شكله المفهوم.
فمن أين تأتي المعرفة إذن؟ يرى كانط أنها تأتي من مصدرين متكاملين: 1) الحواس: وهي التي تزوّدنا بالانطباعات الحسية مثل الألوان والأصوات والحرارة والرائحة والملمس. 2) العقل: وهو الذي ينظّم هذه الانطباعات ويجعلها مفهومة وقابلة للمعرفة. ومن دون الحواس لا توجد مادة للمعرفة، ومن دون العقل لا يكون لتلك المادة أي معنى.
يؤكد كانط أن المكان والزمان ليسا موجودين في الأشياء ذاتها، بل هما صورتان قبليتان في العقل الإنساني. فلا يمكن تصور شيء بلا مكان، ولا حدث بلا زمان، سواء كان ماضياً أو حاضراً. ومن ثمّ فالمكان والزمان شرطان ذهنيان ضروريان لكل معرفة ممكنة.
أما عن كيفية فهم العقل للأشياء، فيوضح كانط أن العقل يستخدم مقولات أساسية، منها: 1) السبب والنتيجة: فحين يسقط كأس عن الطاولة، نفهم أن هناك سبباً للسقوط، وهذه العلاقة ليست معطى حسياً بل حكم عقلي. 2) الوحدة والكثرة: مثل إدراك الكثرة المؤلفة من أربعة قوائم وسطح مستوٍ تشكّل وحدة واحدة هي "الطاولة". 3)الإمكان والضرورة: حيث يحدد العقل ما يمكن أن يكون ضمن شروط التجربة، وما يجب أن يكون ولا يمكن تجاوزه.
لكن العقل يخطئ عندما يتجاوز حدوده ويحاول الإجابة عن أسئلة لا يمكن اختبارها بالتجربة، مثل: هل النفس خالدة؟ هل للكون بداية؟ هل يمكن إثبات وجود الله؟
هنا يقرر كانط أن العقل النظري عاجز عن الإجابة عن هذه القضايا، لأنها تتجاوز مجال الخبرة الحسية.
وبذلك يميّز كانط بين: 1) الظواهر: وهي الأشياء كما تظهر لنا، وهذه يمكن معرفتها. 2) الأشياء في ذاتها: وهي حقيقتها المطلقة، وهذه تبقى غير قابلة للمعرفة. فنحن، على سبيل المثال، نعرف كيف يعمل الضوء وفق القوانين العلمية، لكننا لا نعرف حقيقته المطلقة خارج شروط إدراكنا.
أدّى هذا الكتاب إلى إنقاذ العلم من الشك، ووضع حدود دقيقة للعقل، وغيّر جذرياً طريقة التفكير في المعرفة، ممهدًا الطريق للفلسفة الحديثة ومؤسساً لفهم جديد لدور العقل وحدوده.
الكتاب متوفر على الإنترنت

تعليقات
إرسال تعليق