المشاركات

الفقه الإسلامي

مع اتساع رقعة الإسلام وتنوّع المجتمعات الداخلة فيه، ظهرت الحاجة إلى تفسير النصوص وإسقاطها على واقع متغيّر، فنشأ الفقه الإسلامي بوصفه علماً عملياً يُعنى باستنباط الأحكام من القرآن والسنة. لم يكن الفقه منذ بداياته، منظومة جامدة، بل ممارسة اجتهادية حية، تشكّلت في تفاعل مستمر مع المجتمع، والعرف، والتحولات السياسية. ولا يمثّل تيارا السُنة والشيعة مذهبين فقهيين بالمعنى الضيق، بل إطارين عقديين عامين، يشتركان في الاعتماد على القرآن والسنة، ويختلفان في بعض المرجعيات التفسيرية والتاريخية. فالشيعة، إلى جانب القرآن والحديث الصحيح، يرون في الإمامة امتداداً تفسيرياً ومرجعياً للدين، بينما اعتمد السنة على جماعة العلماء والفقهاء في تنظيم الفهم والتطبيق. تبلورت المذاهب الأربعة الكبرى في الفقه السنيّ، التي نظّمت عملية الاجتهاد وحدّدت أدواته، مع اختلافات منهجية في التعامل مع النص والعقل والعرف. وفي الفقه الشيعي، تشكّلت مدارس فقهية خاصة، مع استمرار واضح لدور الاجتهاد، لا سيما بعد غياب الإمام، حيث برز الفقيه بوصفه مرجعاً دينياً وقانونياً للمجتمع. ورغم كثرة الفرق والمذاهب والمدارس الكلامية والفكرية التي ظهر...

الإسلام

صورة
  دين توحيدي ظهر في بداية القرن السابع، دعا إلى الإيمان بالخالق الواحد والتخلي عن عبادة الأصنام والآلهة المتعددة. ظهر أيضاً في بيئة دينية متنوعة تضم اليهودية والمسيحية في بعض المناطق. كان غالبية السكان في الجزيرة العربية من الوثنيين، خصوصاً في الحجاز والبادية، بينما كانت اليهودية منتشرة في اليمن وبعض المدن مثل يثرب (المدينة المنورة) وخيبر، والمسيحية موجودة في شمال الجزيرة وأجزاء من اليمن الجنوبي، حيث تأثرت بالكنائس النسطورية والأرثوذكسية القبطية. يقوم الإسلام على خمسة أركان: الشهادة بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، الصلاة، الصوم، الزكاة، والحج لمن استطاع إليه سبيلاً. كما دعا إلى التسامح والأخلاق الحسنة والعدالة الاجتماعية. أدى انتشاره في مراحله الأولى إلى إقامة إمبراطوريات ودول، بدءاً بالإمبراطورية الأموية ثم العباسية وغيرها، وشهدت الحضارة الإسلامية تطوراً واسعاً امتد من الشرق إلى الغرب، تاركاً آثاراً حضارية لا تزال باقية حتى اليوم. تُعد المرجعيات الدينية الأساسية في الإسلام، مصادر التوجيه والشرع الأعلى للمسلمين. يأتي القرآن في المقام الأول، الذي يحتوي على الأحكام العقائ...

الزيدية

صورة
مسجد الإمامة الزيدية في صعدة هي تيار شيعي مستقل يُنسب إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين (695–740م)، حفيد الإمام الحسين، الذي قاد حركة احتجاجية ضد الحكم الأموي دفاعاً عن العدل والحق الإلهي. وسُمّي أتباعه بالزيدية نسبة إليه. نشأت في العراق، ثم استقرت في شمال اليمن منذ القرن الثامن الميلادي، حيث حكمت الإمامة الزيدية مناطق مثل صعدة وعمران وحجة لقرون طويلة. تميزت الزيدية منذ نشأتها بمزيج من العقيدة الشيعية والسلوك السياسي العملي، حيث تربط بين الإيمان بالإمامة وواجب مقاومة الظلم والظالم. يشترط في الإمام الزيدي أن يكون من أهل البيت، وأن يكون عالماً بالشريعة، وقادراً على قيادة المجتمع سياسياً وعسكرياً. أي أن الإمامة عند الزيدية ليست وراثية مطلقة كما عند الشيعة الاثني عشرية، بل تعتمد على الكفاءة والقدرة على الحكم. تُعرف بالاعتدال العقائدي، مع التركيز على العدالة الاجتماعية والسياسية، مما يجعل بعض معتقداتها أقرب إلى أهل السنة بالمقارنة مع الشيعة الاثني عشرية. كما طورت الزيدية مدرسة فقهية مستقلة، قريبة في كثير من أحكامها من المذاهب المالكية والشافعية، وتتميز بتطبيق الأحكام بما يتوافق مع مبدأ العدل...

المذاهب الإسلامية الأربعة

صورة
نشأت المذاهب الفقهية السُنيّة في القرنين الثاني والثالث للهجرة، لا نتيجة انقسامٍ عقدي، بل نتيجة اتساع العالم الإسلامي وتنوّع بيئاته، وتفاوت وصول الحديث، وتعدّد طرائق فهم النص. كان السؤال المشترك بين الأئمة الأربعة واحداً: كيف نعرف حكم الله في واقعة لم يرد فيها نص صريح؟ لكن الإجابة المنهجية اختلفت. ومنه نشأت المذاهب. المذهب الحنفي : أنشأه الإمام أبو حنيفة (ت 150 هـ) الحنفي في الكوفة ، وهي بيئة حضرية معقّدة، كثرت فيها النوازل وقلّ فيها الحديث مقارنة بالحجاز. لهذا ركّز أبو حنيفة على: القياس الواسع، والاستحسان (العدول عن القياس الظاهر لمصلحة أقوى)، والتحفّظ الشديد في قبول الحديث الآحاد (لم تتحقق فيه الكثرة الموجبة لليقين). وهو لا يرفض النص، لكنه يسأل دائماً: هل هذا النص ثابت؟ وهل تطبيقه الحرفي يحقق مقصده؟ فكان مذهبه أكثر مرونة تشريعية، وأقدر على التعامل مع المعاملات والأنظمة، ولهذا انتشر في الدول والمؤسسات. المذهب المالكي : أنشأه مالك بن أنس (ت 179 هـ) في المدينة، حيث الذاكرة النبوية حيّة في السلوك اليومي.  انطلق من فكرة جوهرية: ما توارثه أهل المدينة عملاً هو تفسير عملي للسنة. لذلك اعت...

السُّنّة

صورة
نشأت في القرون الأولى بوصفها التيار العام للمسلمين قبل أن تظهر الانقسامات الكلامية والسياسية. ومع بروز الخوارج و الشيعة و المعتزلة ، صار مصطلح أهل السنة والجماعة توصيفاً لمن تمسّكوا بالقرآن وسنة النبي، وفهمهما في إطار الجماعة الأولى من الصحابة ومن تبعهم، دون ربط الدين بشخصٍ معصوم بعد الرسول. لم تبنِ السُّنّة نفسها على فكرة إمامٍ معصوم، ولا على عقلٍ حاكم على النص، بل على ميزانٍ يقول إنّ النصّ هو الأصل، والعقل أداة فهمه، والواقع مجال تنزيله. لهذا قبلت السُّنّة الحديث النبوي لا باعتباره يقيناً مطلقاً، بل باعتباره ظنًا منضبطاً. فأقامت علوماً نقدية غير مسبوقة لفحص الأسانيد والمتون، واعترفت صراحةً بأن أغلب الحديث ظنيّ الثبوت، لكنها رأت أن الحياة الدينية لا يمكن أن تقوم إلا على الظن الغالب لا على اليقين المؤكد. وبهذا كانت السُّنّة براغماتية منضبطة. أما الفرائض الكبرى (كالصلاة والصيام والحج)، فلم تُبنَ أساساً على نصوص حديثية مجردة، بل على تواتر عملي سابق على الخلافات؛ أي ممارسة جماعية استمرت من عصر النبي، ثم جاءت الأحاديث لتشرحها وتفصّلها. ولهذا تشابهت الممارسة الدينية بين السنة والشيعة في ا...

الصوفية

صورة
الصوفية تمثل البُعد الروحي العميق في الإسلام، وهي ليست مذهباً فقهياً مستقلاً، ولا فرقة عقدية، بل نزعة روحية وسلوكية عابرة للمذاهب، تأسست في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين كرد فعل على الانغماس في الترف والتوسع السياسي، بحثاً عن تزكية النفس والإخلاص لله. وقد ارتبط اسمها أصلاً بـ"الصوف"، أي لباس الصوف الذي كان يلبسه الزهاد رمزاً للتقشف والزهد، ثم توسع المعنى ليشمل النهج الروحي الكامل والسلوك التربوي. تركز الصوفية على الباطن الديني دون إنكار الظاهر، ومن أبرز مفاهيمها: الزهد والمجاهدة والذكر والمحبة الإلهية، والمقامات الروحية مثل التوبة والصبر والرضا والفناء. وقد تطورت لتشمل المدارس الصوفية المنظمة والطرق التربوية، حيث لكل طريقة شيخ وأذكار وسلسلة تربوية، ومن أبرز هذه الطرق: القادرية والنقشبندية والشاذلية والرفاعية والتيجانية. امتد حضور الصوفية الفكري والعملي على قرون طويلة، وكان القرن الثاني عشر الميلادي مرحلة أوج التنظيم والتأسيس، مع ظهور طرق صوفية كالقادرية والرفاعية، بينما يمثل القرن الثالث عشر الميلادي أوج الإنتاج الفكري والثقافي، مع شخصيات بارزة مثل ابن عربي وجلال الدين ا...

الإسماعيليون والإسماعيلية

صورة
الإسماعيليون فرع من الشيعة نشأ في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، في سياق الخلاف حول الإمامة بعد وفاة الإمام جعفر الصادق. فقد رأت جماعة من أتباعه أن الإمامة تنتقل إلى ابنه إسماعيل بن جعفر، أو إلى ذريته، في حين اتجه التيار الذي صار لاحقاً اثني عشرياً إلى موسى الكاظم. ومن هنا تبلور التيار الإسماعيلي بوصفه فرعاً شيعياً مميزاً، يقوم على فكرة الإمامة المستمرة والنص الإلهي، مع حضور قوي للتأويل الباطني للنصوص الدينية. نشطت دعوتهم السرّية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، في العراق واليمن والشام وشرق الجزيرة العربية، واتخذت طابعاً تنظيمياً محكماً. تفرّع عنها حركات متعددة، من بينها القرامطة، الذين يمثلون انشقاقاً مبكراً ومتطرفاً عن الإسماعيلية. انفصلوا عقدياً وسياسياً، ورفضوا لاحقاً خط الإمامة الفاطمية، وتحولوا إلى حركة ثورية راديكالية انتهت بالاندثار، بينما استمرت الإسماعيلية كتيار شيعي قائم. بلغ الإسماعيليون ذروة حضورهم السياسي مع قيام الدولة الفاطمية سنة 297 هـ/909 م، التي اتخذت من شمال أفريقيا ثم مصر مركزاً لها. جمع الفاطميون بين الإمامة والخلافة، وأسّسوا منظومة دينية وفكرية متكاملة...

الإباضية

صورة
  مدينة المزاب الجزائرية ذات الأغلبية الإباضية فرقة إسلامية مستقلة عن السنة و الشيعة ، ينتسب أتباعها تاريخياً إلى الخوارج، لكنهم يُعرفون بأنهم أقلّ تشدداً وأكثر اعتدالاً، بعيدون عن التطرف والتكفير الجماعي. يُنسب تأسيس هذه الفرقة إلى عبد الله بن إباض التيمي (توفي حوالي 86 هـ / 705 م)، الذي يُعد المؤسس التاريخي. نشأت في عمان واليمن، ثم انتشرت لاحقاً إلى شمال أفريقيا نتيجة الهجرات والدعوة، واستقر أتباعها في مناطق جبلية مثل جبل نفوسة في تونس وليبيا وجبال الأوراس في الجزائر، حيث حافظوا على مجتمعاتهم وعاداتهم الدينية والاجتماعية. عقيدتهم معتدلة ومتميزة عن باقي الفرق الإسلامية، فهم يؤمنون بالله ووحدانيته وبالنبوة، لكنهم لا يؤمنون بالإمامة المعصومة عند الشيعة ولا بولاية أهل البيت، ولديهم موقف معتدل من الصحابة. فقههم مستقل ويُعرف بالمذهب الإباضي، قريب من السنة في المعاملات، ويركز على التعايش والاعتدال في السياسة والدين. تميزوا بقدرتهم على التعايش مع غيرهم ورفض التطرف، كما حافظوا على نظام اجتماعي محلي يحافظ على الانضباط والمجتمع. استلموا تاريخياً إمارات صغيرة في شمال أفريقيا، مثل إمارات جب...

الخوارج

صورة
هي فرقة إسلامية نشأت في القرن الأول الهجري، واسمها يعني "الخارجون" نسبة إلى خروجهم على الإمام علي بن أبي طالب بعد معركة صفين عام 37 هـ / 657 م، اعتراضاً على التحكيم الذي تم بينه وبين معاوية بن أبي سفيان. كانوا أول جماعة سياسية-دينية انقسمت عن المسلمين الآخرين بسبب تفسيرهم المتشدد للنصوص الإلهية، واعتقادهم بأن التحكيم البشري يعد خروجاً عن الحق الإلهي. ارتكزت مبادئهم على التشدد في التوحيد والعدل، مع اعتبار كل من يرتكب الكبائر دون توبة كافراً، مما يجعل دمه مباحاً في بعض الفرق. كما آمنوا بالمساواة بين المسلمين في استحقاق الخلافة، بغض النظر عن النسب، ورفضوا أي سلطة بشرية تتعارض مع النصوص الإلهية. هذا التشدد كان سبباً رئيسياً في خروجهم على علي وخوضهم معركة النهروان في 38 هـ / 659 م، حيث سقط آلاف الخوارج. تفرعوا لاحقاً إلى عدة فرق: الإباضية ، الأزارقة، والنجدات، وغيرها. ومن أشهر قادتهم ومنظريهم: نعيم بن مسعود (لا يُعرف بدقة سنة ميلاده ووفاته، لكن دوره كان بارزاً في تنظيم الخوارج بعد معركة صفين ومعركة النهروان). الإباضية، المؤسَّسة على يد عبد الله بن إباض التيمي (توفي حوالي 86 هـ / ...

الشيعة والشيعية الاثنا عشرية

صورة
نشأ مصطلح "الشيعة" في السياق الإسلامي المبكر للدلالة على الأنصار والأتباع، ثم استقر اصطلاحاً على الجماعات التي رأت أن علي بن أبي طالب هو الأَولى بالخلافة بعد وفاة النبي، وأن قيادة الأمة ليست شأناً سياسياً محضاً، بل منصب ديني له امتداد عقدي وتشريعي. ومن هذا المنطلق تبلورت فكرة "الإمامة"، التي استُدل لها لاحقاً بآيات من القرآن، من أبرزها: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾، بوصفها المحور المركزي الذي تشكّل حوله الفكر الشيعي، وتفرّعت عنه مدارس واتجاهات متعددة عبر القرون. لم تكن الشيعة تاريخياً كتلة واحدة متجانسة، بل انقسمت مبكراً إلى فرق كبرى بحسب تصورها للإمامة وتسلسل الأئمة وحدود صلاحياتهم. أبرز هذه الفرق: الزيدية، و الإسماعيلية ، والاثنا عشرية (الإمامية). فالزيدية، التي تركز وجودها في اليمن، قدّمت تصوراً أقل غلوّاً للإمامة، ولم تشترط العصمة المطلقة، واقترب فقهها من المذاهب السنية. أما الإسماعيلية فذهبت في اتجاه باطني تأويلي، وتفرّعت عنها حركات ودول تاريخية كان أشهرها...

الماتريدية

صورة
ضريح الماتريدي في سمرقند هي مدرسة كلامية سنّية عقلانية معتدلة نشأت في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي في سمرقند ب خراسان ، ونسبت إلى مؤسسها أبو منصور محمد بن محمد الماتريدي (ت 944م)، وهو من بلدة الماتريد قرب سمرقند. وكان الماتريدي عالماً وفقيهاً جمع بين العقل والنقل، وسعى لتثبيت العقيدة السنيّة ضمن منهج معتدل يوازن بين العقل والنصوص الشرعية، على عكس المعتزلة التي كانت تقدم العقل على النص عند التعارض. وهي تعطي للعقل حرية أكثر من الأشاعرة ، مع صرامة أقل. ركزت على استخدام العقل كأداة للتوضيح والدفاع عن العقيدة لا لتأسيسها، مع اعتبار النقل الشرعي (القرآن والسنة) الأصل الذي لا يجوز مخالفته. وفي باب التوحيد، أكدت الماتريدية على وحدانية الله وتنزيهه عن مشابهة المخلوقات، مع إثبات الصفات الإلهية بما يليق بجلاله، وتأويل بعض الصفات عند الحاجة. وقد فصلت الإيمان عن الكبائر، فالإيمان قول وعمل، وارتكاب الكبيرة لا ينقص الإيمان، مع حفظ مسؤولية الإنسان عن أفعاله وفق مبدأ الكسب، بحيث يبقى الله عالماً بكل شيء، لكن الحرية البشرية محفوظة. والعدل الإلهي عند الماتريدية راسخ: كل الشر في العالم نتيجة أفعال ...

الأشاعرة

صورة
مدرسة كلامية سُنّية نشأت في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، هدفت إلى الدفاع عن عقائد أهل السنة باستخدام أدوات عقلية ومنهج جدلي منضبط، في مواجهة تيارين متقابلين: المعتزلة العقلانيين من جهة، والحنابلة الأثريين (القائلين بالرجوع إلى القرآن والسنة وأقوال الصحابة فقط) الرافضين للكلام من جهة أخرى. وتنسب إلى مؤسسها أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (ت 935م)، الذي قضى معظم حياته معتزلياً ثم أعلن انشقاقه، ساعياً إلى تأسيس مذهب وسطي يُبقي للنقل سلطته، وللعقل وظيفته الدفاعية. تقوم العقيدة الأشعرية على جملة من المبادئ العقدية والمنهجية، أبرزها أن القرآن والسنة أصلان ملزمان، ولا يجوز للعقل أن يعارض نصاً قطعياً، لكنه يُستعمل لإثبات أصول العقيدة والرد على المخالفين. فالعقل عند الأشاعرة خادم للنقل لا حاكم عليه. وفي باب التوحيد، يثبت الأشاعرة صفات الله الواردة في النصوص من غير تشبيه ولا تجسيم، ويقولون إن الصفات قديمة قائمة بالذات، مع صيغة وسطية مشهورة: لا هي عين الذات ولا غيرها. أما الصفات الخبرية، فموقفهم منها تراوح تاريخياً بين التفويض والتأويل، خاصة عند المتأخرين. وفي مسألة القدر، تبنّى الأشاعر...

المعتزلة

صورة
رسم تخيلي لابن عطاء تيار فكري إسلامي نشأ في البصرة مطلع القرن الثاني الهجري في سياق جدلٍ ديني وفكري حاد حول الإيمان والقدر والعدل الإلهي. يُنسب تأسيسه إلى واصل بن عطاء الذي انفصل عن حلقة الحسن البصري في مسألة مرتكب الكبيرة (ذنب ورد فيه حد شرعي كالزنا والسرقة)، فكان ذلك إيذاناً بظهور مدرسة عقلية جعلت من البرهان والجدل أدواتٍ مركزية لفهم العقيدة والدفاع عنها. ويبدو أن التسمية تعود للحسن البصري الذي قال، بعد جلسة نقاش في المسجد: لقد اعتزلنا عطاء بن واصل. تميّزت ببناءٍ نظري متماسك عُرف بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. شدّدوا في التوحيد على تنزيه الله تنزيهاً صارماً، فنفوا الصفات الزائدة على الذات خوف التشبيه. وفي العدل أكد المعتزلة حرية الإنسان ومسؤوليته، وقالوا إن العقل يدرك الحسن والقبح، وإن الله لا يظلم ولا يفعل الشر. أما مرتكب الكبيرة فهوعندهم ليس مؤمناً ولا كافراً، بل في منزلة وسطى في الدنيا، ومخلّد في النار إن مات بلا توبة، التزاماً منهم بإنفاذ الوعد والوعيد. ووسّعوا مفهوم الأمر بالمعروف ليشمل مقاومة الظلم إذا...

إخوانُ الصفا وخِلّانُ الوفا

صورة
أطلقوا على أنفسهم هذه التسمية عن قصدٍ رمزيّ ودلالي، لا بوصفها لقباً عَرَضياً، بل تعبيراً مباشراً عن جوهر مشروعهم الفكري والأخلاقي. فهي تُشير إلى جماعة من الأصدقاء المتآخين، المتّحدين على صفاء النفس وصدق القصد، ويجمعهم السعي المشترك في طريق المعرفة والتهذيب، وهو ما يشكّل جوهر نشاطهم الفكري والتربوي. ويُرجّح الباحثون أن تكون هذه التسمية مستلهمة من قصة رمزية وردت في إحدى رسائلهم، هي قصة "الحمامة المطوّقة" المأخوذة من كليلة ودمنة، حيث تنجو مجموعة من الحمام من الشبكة بفضل التعاون والأخوّة. وقد اتّخذ إخوان الصفا من هذه القصة رمزاً لفكرتهم الأساسية، وهي أن الخلاص لا يتحقّق فردياً، بل جماعياً، من خلال التآزر المعرفي والأخلاقي. وهم جماعةٌ من المفكّرين والفلاسفة عُرفت بهذا الاسم لكونها جماعةً منظَّمة ذات مشروع فكري وأخلاقي مشترك. تمثّل هدفهم الأساسي في أمرين متلازمين: أولاً، تهذيب النفس وتطهيرها بالمعرفة والعلم ونشرهما بوصفهما طريقاً للخلاص الروحي، وثانياً، التوفيق بين الدين والفلسفة، إذ كانوا يعتقدون أن الشريعة والفلسفة لا تتعارضان، بل تتكاملان، وأن كليهما يقود إلى حقيقة واحدة إذا أُ...

رواية "الحرب والسلم" لليف تولستوي

صورة
المسودة التاسعة لبداية الرواية نشرها تولستوي (1828-1910) على شكل مسلسل روائي في مجلة "الرسول الروسي" بدءاً من عام 1865، ونشرت كرواية كاملة عام 1869. تصور هذه الرواية الضخمة المجتمع الروسي في مطلع القرن التاسع عشر على خلفية الحروب النابليونية، مع تتبع مصائر عائلات أرستقراطية كبرى مثل آل روستوف، بولكونسكي وبيير بيزوخوف. تجمع الرواية بين التاريخ والخيال لتسبر أعماق الفرد والتاريخ معاً. في معركة أوسترليتز، خاض الجيش الفرنسي بقيادة نابليون ضد التحالف الروسي-النمساوي، الذي انهارت خططه عند التنفيذ، مما أدى إلى هزيمة التحالف. لم تكن الخسارة نتيجة نقص الشجاعة أو تفوق العدو، بل لأن الأحداث تفلت من إرادة القادة، وهو ما يعكس وهم السيطرة العقلية على الحرب كما يصوره تولستو، إذ أن أسباب الربح والخسارة مركبة وشديدة التعقيد لا يمكن السيطرة عليها على نحو كامل. في المقابل، يقدّم كوتوزوف (1745-1813) نموذج قيادة مختلفاً، يقوم على الصبر والانصياع للواقع والاستنزاف التدريجي للعدو. فخلال معركة بورودينو التي قادها غرب موسكو عام 1812 ضد نابليون، تكبّد الطرفان خسائر فادحة دون انتصار حاسم لأي منهما، ثم ...