الإسلام والسلطة
![]() |
| هارون الرشيد يستقبل وفد شارلماين |
في مرحلة الخلافة الراشدة، كانت السلطة تُقدَّم بوصفها تكليفاً أخلاقياً لا امتيازاً سياسياً، مع غياب نموذج دستوري محدّد. لكن سرعان ما تحوّل الحكم، مع الدولة الأموية ثم العباسية، إلى سلطة مركزية وراثية، احتاجت إلى الشرعية الدينية لضمان الاستقرار. هنا بدأ التمايز بين الدين كنص وأخلاق، والسياسة كإدارة وقوة.
لم يكن الفقه الإسلامي أداة طيّعة بيد الحاكم، ولا خصماً دائماً له. فقد نشأ كعلم مستقل سابق على الدولة، هدفه ضبط السلوك والعدل بين الناس. ومع توسّع الدول، دخل الفقه في علاقة مركّبة مع السلطة، فقد احتاج الحاكم إلى الفقه لتقنين القضاء، وسعى الفقه إلى تقييد السلطة بالشرع. وفي هذا السياق، لم تكن الدولة هي المنتِج للشريعة، بل طرفاً يتعايش معها أو يحاول احتواءها، وهو ما أكّد عليه عدد من الباحثين المعاصرين في تاريخ الشريعة.
لم تكن الخلافات العقدية والمذهبية دينية خالصة دائماً، بل تداخلت مع السياسة: من الخلاف على الإمامة، إلى صراعات الفِرق، إلى محاولات ضبط "العقيدة الرسمية". وهكذا أصبح الاختلاف الديني أحياناً وسيلة للشرعنة أو الإقصاء.
مع دخول العالم الإسلامي العصر الحديث، تغيّر المشهد جذرياً. فالدولة الحديثة احتكرت التشريع، ونزعت الطابع الأخلاقي عن القانون، وأعادت تعريف الدين بوصفه شأناً خاصاً أو رمزاً سياسياً. ولم تعد الشريعة منظومة اجتماعية حيّة، بل إما قانوناً رسمياً محدوداً، أو خطاباً هويّاتياً.
أما اليوم، يتأرجح الخطاب الإسلامي بين استدعاء نموذج مثالي من الماضي، أو القبول الكامل بنموذج الدولة الحديثة. وفي هذا التوتر، تُطرح الأسئلة الكبرى من جديد: هل الدين مصدر للشرعية أم للضبط الأخلاقي؟ وهل يمكن للفقه أن يعيش خارج الدولة؟ وكيف تُحمى القيم دون تحويلها إلى أداة سلطة؟

تعليقات
إرسال تعليق