المعتزلة




رسم تخيلي لابن عطاء
تيار فكري إسلامي نشأ في البصرة مطلع القرن الثاني الهجري في سياق جدلٍ ديني وفكري حاد حول الإيمان والقدر والعدل الإلهي. ويُنسب تأسيسها إلى واصل بن عطاء الذي انفصل عن حلقة الحسن البصري في مسألة مرتكب الكبيرة (ذنب ورد فيه حد شرعي كالزنا والسرقة)، فكان ذلك إيذاناً بظهور مدرسة عقلية جعلت من البرهان والجدل أدواتٍ مركزية لفهم العقيدة والدفاع عنها. ويبدو أن التسمية تعود للحسن البصري الذي قال بعد جلسة نقاش في المسجد: لقد اعتزلنا عطاء بن واصل.
تميّزت ببناءٍ نظري متماسك عُرف بالأصول الخمسة: التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. شدّدوا في التوحيد على تنزيه الله تنزيهاً صارماً، فنفوا الصفات الزائدة على الذات خوف التشبيه. وفي العدل أكدوا حرية الإنسان ومسؤوليته، وقالوا إن العقل يدرك الحسن والقبح، وإن الله لا يظلم ولا يفعل الشر. أما مرتكب الكبيرة فليس عندهم مؤمناً ولا كافراً، بل في منزلة وسطى في الدنيا، ومخلّد في النار إن مات بلا توبة، التزاماً منهم بإنفاذ الوعد والوعيد. ووسّعوا مفهوم الأمر بالمعروف ليشمل مقاومة الظلم إذا توفرت القدرة، وهو ما يعكس البعد السياسي لمفهومهم عن الجهاد والعدل.
قدّمت المعتزلة في نهجها العقل على النقل عند التعارض، مع اعتماد فهم النص على ضوء التأويل العقلي. بهذا أسّسوا علم الكلام بوصفه علماً منظماً له مصطلحاته وقواعده، وجعلوا المناظرة فناً معرفياً قائماً بذاته، وقد أثر هذا الأسلوب لاحقاً على خصومهم، حتى الأشاعرة والماتريدية (نسبة إلى أبو منصور الماتريدي الذي دعا إلى الكلام العقلاني المعتدل داخل السنة) استخدموا أدواتهم الكلامية مع تعديل المنطلقات. فالأشعري نفسه كان معتزلياً قبل انشقاقه.
اشتهر المعتزلة بمناظراتهم الواسعة: مع الفرق الإسلامية في القدر والإيمان، ومع الدهريين (القائلين بوجود العالم منذ الأزل وبأن لا خالق له) والمجوس (الزرادشتيون) والمانوية والغنوصية في إثبات الصانع والثنوية (الخير والشر، الظلمة والنور)، ومع الفلاسفة في قدم العالم والسببية، ومع النصارى في التثليث والتجسّد. وكان معظم هذا السجال نصياً وكتابياً أكثر من كونه مناظرة وجهاً لوجه. ويُعد القاضي عبد الجبار ذروة النضج المعتزلي؛ فقد صاغ في كتبه، ولا سيما "المغني" و"تثبيت دلائل النبوة"، نقداً عقلانياً معمّقاً للاهوت المسيحي الفلسفي الذي مثّلته مدرسة يحيى بن عدي.
ومن أشهر القضايا التي التصقت باسم المعتزلة القول بخلق القرآن، وهو نتيجة منطقية لمذهبهم في الصفات والتوحيد. غير أن هذه المسألة تحولت إلى محنة حين تبنّتها السلطة العباسية في عهد المأمون ومن بعده، وفُرضت بالقهر على العلماء، فتعرض الإمام أحمد بن حنبل للسجن والجلد وكاد يُقتل. أدت هذه الأزمة إلى إضعاف تيار المعتزلة نتيجة تسيس العقيدة بالقوة.
بلغ نفوذ المعتزلة أوجه في القرن الثالث الهجري، ثم انحسر مع تغيّر السياسة العباسية بعد المتوكل وصعود المدارس السنية الكلامية. ومع ذلك ظل أثرهم عميقاً في تاريخ الفكر الإسلامي: فقد أرسوا دعائم اللاهوت العقلي الإسلامي، ووسّعوا أفق الجدل والمناظرة، وأسهموا في الأدب واللغة والفلسفة. وهناك إجماع على أن إنجازهم المعرفي كبير، وإن أُخذ عليهم الإفراط في التأويل وتقديم العقل، وأن صورتهم التاريخية تضررت بسبب اقتران بعض آرائهم بسلطة الإكراه.
أشهر أعلامهم واصل بن عطاء (ت 748م)، المؤسس الأول. وعمرو بن عبيد (ت 761م) الذي ركّز على العدل والقدر. ثم أبو الهذيل العلاف (ت 849م) الذي أعطى الكلام المعتزلي بناءً تقنياً واضحاً. ثم إبراهيم بن سيار النظام (ت 845م)، وهو من أدخل عناصر فلسفية وفيزيائية في الكلام. والشهير الجاحظ (ت 869م) الذي كان أديباً ومتكلماً. وآخرهم الأشهر القاضي عبد الجبار بن أحمد (ت 1025م) الذي مثل ذروة النضج المعتزلي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أيام الكواكب وسنواتها

الاتحاد الأوروبي

قواعد المنطق الرئيسية الثلاث

قانون نيوتن الثاني

قانون نيوتن الأول

البركان

التركيب الضوئي

مصباح التوهج الكهربائي

الغلوسيدات

العصر الحجري الحديث Neolithic