المفاعلات النووية الإندماجية
تُعدّ المفاعلات الاندماجية من أكثر التقنيات العلمية طموحاً في مجال الطاقة، ويُقصد بها أنظمة تسعى إلى توليد الكهرباء عبر دمج نوى ذرات خفيفة، مثل نظائر الهيدروجين، بدل شطر الذرات الثقيلة كما في المفاعلات النووية التقليدية. هذا التفاعل هو نفسه الذي يحدث داخل الشمس والنجوم، حيث تؤدي درجات الحرارة والضغط الهائلان إلى اندماج الذرات وإطلاق كميات ضخمة من الطاقة. ولهذا يُنظر إلى الاندماج النووي باعتباره مصدراً محتملاً لطاقة نظيفة شبه غير محدودة، مع نفايات أقل بكثير من تلك الناتجة عن الانشطار النووي.
من أبرز
المشاريع العالمية في هذا المجال مشروع ITER، وهو أكبر تعاون علمي دولي لبناء مفاعل
اندماجي تجريبي. يقع هذا المشروع في جنوب فرنسا، في منطقة كاداراش، ويهدف إلى
اختبار إمكانية إنتاج تفاعل اندماجي مستمر ومستقر يمكن أن يشكل الأساس لمفاعلات
توليد الكهرباء في المستقبل. لكن ITER نفسه لا يهدف إلى إنتاج كهرباء فعلية
للشبكات، بل إلى إثبات الجدوى العلمية والهندسية للتقنية على نطاق واسع.
إلى جانب ذلك،
شهد عام 2022 في الولايات المتحدة إنجازاً علمياً مهماً داخل مختبر لورانس ليفرمور
الوطني. ففي تجربة باستخدام نظام ليزري ضخم، تم تسليط 192 شعاع ليزر على كمية
صغيرة جداً من الوقود الاندماجي، ما أدى إلى تسخينه وضغطه إلى درجة عالية جداً،
بحيث حدث تفاعل اندماجي أطلق طاقة أكبر من الطاقة التي امتصها الوقود نفسه. وقد
عُرف هذا الحدث باسم “الاشتعال النووي” (Ignition). ومع ذلك، فإن هذا الإنجاز لم يُنتج
بعد طاقة كهربائية صافية على مستوى النظام الكامل، بل كان إثباتاً علمياً مهماً
لإمكانية حدوث تفاعل اندماجي يولّد فائضاً من الطاقة في ظروف مخبرية.
ورغم هذا
التقدم، لا تزال المفاعلات الاندماجية في مراحل التطوير التجريبي، إذ تواجه تحديات
كبيرة تتعلق باستمرار التفاعل لفترات طويلة، والتحكم في البلازما، وتحويل الحرارة
الناتجة إلى كهرباء بكفاءة اقتصادية. ومع ذلك، فإن نجاح التجارب الأخيرة، سواء في ITER أو في
التجربة الأمريكية عام 2022، يعزز الاعتقاد بأن الاندماج النووي قد يصبح في
المستقبل أحد أهم مصادر الطاقة النظيفة، إذا ما تم تجاوز العقبات التقنية الحالية.
تعليقات
إرسال تعليق