كمبوديا




تقع في قلب شبه جزيرة الهند الصينية في جنوب شرق آسيا، بين تايلاندا ولاوس وفيتنام، وتطل جنوباً على خليج تايلاندا. تبلغ مساحتها نحو 181 ألف كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها اليوم قرابة 17 مليون نسمة. يغلب على جغرافيتها السهل المنخفض الذي تتوسطه شبكة مائية هائلة، أهمها نهر الميكونغ وبحيرة تونلي ساب، وهي من أغنى مناطق المياه العذبة في المنطقة. وقد ارتبط تاريخ البلاد منذ القدم بهذه البيئة الزراعية، إذ شكّل الأرز والمياه أساس الحياة الاقتصادية والاجتماعية فيها. يتراوح معدل الأمطار السنوي في معظم مناطق كمبوديا بين 1200 و2000 ملم تقريباً، وقد يزيد في المناطق الجبلية والجنوبية الغربية. وهذا أكثر بكثير من مناطق البحر المتوسط، لكنه أقل من المناطق الاستوائية شديدة الرطوبة مثل بعض مناطق إندونيسيا أو ماليزيا.
لا تعود أهميتها التاريخية إلى موقعها الجغرافي فقط، بل إلى الحضارة الخميرية العظيمة التي بلغت ذروتها بين القرنين التاسع والخامس عشر. فقد قامت إمبراطورية الخمير، التي اتخذت من منطقة أنغكور مركزاً لها، ببناء واحدة من أعظم الحضارات في جنوب شرق آسيا. وكان معبد أنغكور وات، الذي شُيد في القرن الثاني عشر، شاهداً على تقدمها في العمارة والهندسة وتنظيم الري والإدارة. امتدت هذه الإمبراطورية في فترات قوتها إلى مناطق واسعة من جنوب شرق آسيا، وتركت أثراً ثقافياً لا يزال يُشكّل أساس الهوية الكمبودية حتى اليوم.
غير أن هذه القوة بدأت بالتراجع مع مطلع القرن الخامس عشر، نتيجة صعود ممالك مجاورة قوية، خصوصاً سيام (تايلاند لاحقاً) وفيتنام. وجدت كمبوديا نفسها بين قوتين متنافستين، وأصبحت لفترات طويلة تحت تأثير إحداهما أو الأخرى. وفي القرن التاسع عشر دخلت البلاد تحت الحماية الفرنسية عام 1863، وأصبحت جزءاً من الهند الصينية الفرنسية. وقد حافظ الفرنسيون على النظام الملكي شكلياً، كما ساهموا في إعادة اكتشاف وترميم آثار أنغكور، لكن الاستعمار ترك أيضاً اقتصاداً تابعاً ومشكلات سياسية ستظهر لاحقاً.
حصلت على استقلالها عام 1953 بقيادة الأمير نورودوم سيهانوك، الذي حاول اتباع سياسة عدم الانحياز في خضم الحرب الباردة. غير أن موقع البلاد بين فيتنام وتايلاند، وقربها من مسرح حرب فيتنام، جعلها عرضة للصراعات الإقليمية والدولية. وفي عام 1970 أُطيح بسيهانوك في انقلاب قاده الجنرال لون نول، ودخلت البلاد في حرب أهلية انتهت بوصول الخمير الحمر إلى السلطة عام 1975.
وقعت بين عامي 1975 و1979 واحدة من أسوأ المآسي الإنسانية في القرن العشرين. فقد قُتل أو مات بسبب الإعدامات والمجاعة والعمل القسري والأمراض ما بين مليون ونصف ومليوني إنسان، أي ما يقارب ربع سكان البلاد. شملت عمليات القمع المثقفين والرهبان والأقليات العرقية وحتى أعضاء الحزب أنفسهم. وكان سجن تول سلينغ وحقول الإعدام من أبرز رموز تلك الحقبة السوداء.
في ديسمبر 1978 شنت القوات الفيتنامية هجوماً واسعاً على كمبوديا، وتمكنت في يناير 1979 من دخول بنوم بنه وإسقاط نظام بول بوت. رحب كثير من الكمبوديين بسقوط الخمير الحمر بسبب المعاناة التي عاشوها، لكن التدخل الفيتنامي فتح مرحلة جديدة من الصراع السياسي، إذ أصبحت البلاد مرتبطة بالنفوذ الفيتنامي لسنوات طويلة.
بعد نهاية الحرب الباردة بدأت الحركة تضعف، وانقسمت داخلياً. وفي عام 1997 اعتُقل بول بوت من قِبل رفاقه أنفسهم بعد صراع داخل القيادة. توفي عام 1998 وهو تحت الإقامة الجبرية، دون أن يمثل أمام محكمة دولية. وبذلك انتهت حياة الرجل الذي حاول إعادة تشكيل مجتمع كامل بالقوة، منفياً ومعزولاً داخل الحركة التي أسسها.
دخلت كمبوديا بعد ذلك مرحلة إعادة البناء. أُبرمت اتفاقيات السلام عام 1991، وأُجريت انتخابات بإشراف الأمم المتحدة عام 1993، وعادت الملكية الدستورية. غير أن البلاد بقيت لعقود تحت نفوذ سياسي قوي لحزب الشعب الكمبودي، مع تحديات مرتبطة بالحكم والتنمية.
قطعت كمبوديا اقتصادياً شوطاً كبيراً منذ دمار السبعينيات. يبلغ ناتجها المحلي اليوم نحو 50 مليار دولار تقريباً، ويعتمد اقتصادها على ثلاثة قطاعات رئيسية: الخدمات (نحو 45%) والصناعة (نحو 40%) والزراعة (نحو 20%). تمثل الخدمات القطاع الأكبر، وتشمل السياحة والتجارة والنقل والاتصالات والخدمات المالية. أما الصناعة فتعتمد خصوصاً على صناعة الملابس والأحذية والتصدير. في حين تبقى الزراعة، رغم انخفاض حصتها من الناتج، مصدر رزق أساسي لجزء كبير من السكان، خاصة في المناطق الريفية، وتشمل زراعة الأرز والمطاط والصيد النهري.
تظل السياحة، وخاصة منطقة أنغكور، أحد أهم مصادر الدخل والهوية الوطنية. غير أن كمبوديا ما زالت تواجه تحديات كبيرة: ضعف التعليم، والاعتماد على العمالة منخفضة الأجر، والفساد، والحاجة إلى الانتقال من اقتصاد يعتمد على الصناعات البسيطة إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على المعرفة والتكنولوجيا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أيام الكواكب وسنواتها

الاتحاد الأوروبي

قواعد المنطق الرئيسية الثلاث

قانون نيوتن الثاني

قانون نيوتن الأول

البركان

التركيب الضوئي

الغلوسيدات

مصباح التوهج الكهربائي

العصر الحجري الحديث Neolithic