الخمير الحمر
بدأت هذه الحركة بوصفها حركة شيوعية ثورية في خمسينيات القرن الماضي، في بلد أنهكته آثار الاستعمار الفرنسي، والحروب الإقليمية، والصراع الدائر في فيتنام المجاورة. ومع تصاعد الحرب الأهلية الكمبودية، تمكن الخمير الحمر من توسيع نفوذهم حتى دخلوا العاصمة بنوم بنه في السابع عشر من أبريل عام 1975، منهين حكم الحكومة القائمة ومعلنين قيام ما سموه "كمبوديا الديمقراطية".
قائد الحركة هو بول بوت، واسمه الحقيقي سالوث سار. والمفارقة أن الرجل الذي قدم نفسه ممثلاً للفلاحين الفقراء لم يكن من طبقتهم المعدمة، بل وُلد في أسرة ريفية ميسورة نسبياً، لها أراضٍ زراعية وصلات بالطبقة الحاكمة. تلقى تعليمه في مدارس فرنسية، ثم ذهب إلى باريس في أواخر الأربعينيات، حيث تعرف إلى التيارات الشيوعية وتأثر بالماركسية واللينينية وبأفكار ماو تسي تونغ حول الدور الثوري للفلاحين.
لكن بول بوت لم يعد من باريس بمجرد نسخة من الفكر الشيوعي التقليدي، بل مزج تلك الأفكار بقومية خميرية متشددة وبفكرة راديكالية تقوم على إعادة بناء المجتمع من الصفر. فقد آمن بأن المجتمع القديم يجب أن يُمحى بالكامل، وأن تبدأ كمبوديا "سنة صفر" جديدة لا مكان فيها للمدن أو الطبقات أو الملكية الخاصة أو النخب الثقافية.
ما إن وصل الخمير الحمر إلى السلطة حتى بدأوا تنفيذ مشروعهم المتطرف. أُجبر سكان المدن، ومن بينهم سكان العاصمة بنوم بنه، على مغادرة بيوتهم والانتقال إلى المناطق الريفية للعمل في مزارع جماعية. أُلغيت النقود والأسواق، وأُغلقت المدارس والجامعات، واضطُهد المثقفون والأطباء والمعلمون، لأن القيادة الجديدة اعتبرتهم بقايا النظام القديم. أصبحت الدولة كلها خاضعة للحزب، وأصبح الولاء للفكرة الثورية أهم من حياة الإنسان نفسه.
سرعان ما تحول الحلم المعلن بالمساواة إلى نظام من الرعب. فقد قُتل أو مات بسبب الإعدامات والتجويع والعمل القسري والأمراض ما بين مليون ونصف ومليوني إنسان، أي ما يقارب ربع سكان كمبوديا آنذاك. لم تستهدف عمليات القمع فئات معينة فقط، بل طالت حتى أعضاء الحزب أنفسهم عندما بدأت القيادة تشك في ولائهم.
لكن الخمير الحمر لم يواجهوا فقط معارضة داخلية، بل دخلوا في صراع متزايد مع فيتنام. ورغم أن البلدين كانا يحكمان باسم الشيوعية، فإن العداء التاريخي بين الشعبين، والصراع بين الصين والاتحاد السوفيتي داخل المعسكر الشيوعي، جعلا العلاقة بينهما عدائية. كانت فيتنام قريبة من موسكو، بينما كان الخمير الحمر حلفاء للصين.
ازداد التوتر عندما بدأت قوات الخمير الحمر شن هجمات على المناطق الحدودية الفيتنامية، ووقعت عمليات قتل بحق مدنيين. رأت فيتنام أن نظام بول بوت أصبح خطراً مباشراً على أمنها، فقررت التدخل عسكرياً. وفي ديسمبر عام 1978 شنت القوات الفيتنامية هجوماً واسعاً على كمبوديا، وتمكنت في يناير 1979 من دخول بنوم بنه وإسقاط نظام الخمير الحمر.
انسحب بول بوت وأتباعه إلى المناطق الجبلية والحدودية، وواصلوا حرب عصابات لسنوات طويلة. والمفارقة أن قوى دولية عدة تعاملت مع بقايا الخمير الحمر خلال الحرب الباردة باعتبارهم ورقة سياسية ضد فيتنام وحلفائها، رغم معرفتها بجرائم النظام السابق.
مع نهاية الحرب الباردة بدأ نفوذ الحركة يتراجع، وانقسم الخمير الحمر داخلياً. وفي عام 1997 اعتُقل بول بوت على يد رفاقه بعد صراع داخل القيادة. عاش آخر أيامه تحت الإقامة الجبرية، ثم توفي في الخامس عشر من أبريل عام 1998. ولم يمثل أمام محكمة دولية ليحاسب على الجرائم التي ارتكبها نظامه.
تبقى تجربة الخمير الحمر مثالاً شديد القسوة على المخاطر التي تنشأ عندما تتحول فكرة سياسية أو أخلاقية إلى عقيدة مطلقة لا تقبل النقد، وعندما يصبح الإنسان مجرد أداة لتحقيق مشروع مثالي مزعوم. فقد رفع النظام شعارات المساواة والقضاء على الاستغلال، لكنه انتهى إلى إنتاج مجتمع يقوم على القمع والخوف وإلغاء الإنسان.
ولهذا فإن مأساة كمبوديا لا تُقرأ فقط كتاريخ لنظام متطرف، بل كدرس أوسع في السياسة والفكر: الأفكار مهما كانت نبيلة في بدايتها تحتاج دائماً إلى حدود أخلاقية ومؤسسات تحمي الإنسان من تحول الوسيلة إلى غاية، ومن تحول الحلم إلى كابوس.

تعليقات
إرسال تعليق