العقيدة الشيعية





نشأ مصطلح "الشيعة" في السياق الإسلامي المبكر للدلالة على الأنصار والأتباع، ثم استقر اصطلاحاً على الجماعات التي رأت أن علي بن أبي طالب هو الأَولى بالخلافة بعد وفاة النبي، وأن قيادة الأمة ليست شأناً سياسياً محضاً، بل منصب ديني له امتداد عقدي وتشريعي. ومن هذا المنطلق تبلورت فكرة "الإمامة"، التي استُدل لها لاحقاً بآيات من القرآن، من أبرزها: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾، بوصفها المحور المركزي الذي تشكّل حوله الفكر الشيعي، وتفرّعت عنه مدارس واتجاهات متعددة عبر القرون.
لم تكن الشيعة تاريخياً كتلة واحدة متجانسة، بل انقسمت مبكراً إلى فرق كبرى بحسب تصورها للإمامة وتسلسل الأئمة وحدود صلاحياتهم. أبرز هذه الفرق: الزيدية، والإسماعيلية، والاثنا عشرية (الإمامية). فالزيدية، التي تركز وجودها في اليمن، قدّمت تصوراً أقل غلوّاً للإمامة، ولم تشترط العصمة المطلقة، واقترب فقهها من المذاهب السنية. أما الإسماعيلية فذهبت في اتجاه باطني تأويلي، وتفرّعت عنها حركات ودول تاريخية كان أشهرها الدولة الفاطمية. غير أن التيار الأوسع انتشاراً والأعمق تأثيراً في التاريخ الإسلامي المتأخر هو التيار الاثنا عشري، الذي يُعرف أيضاً بالإمامية.
يقوم البناء العقدي للاثنا عشرية على اعتبار الإمامة أصلاً من أصول الدين، ويُرى أن الإيمان لا يكتمل إلا بها، إلى جانب التوحيد والنبوة والمعاد. فالإمام عندهم ليس قائداً سياسياً فحسب، بل منصوص عليه من الله، معصوم من الخطأ والذنب، ومرجع أعلى في فهم الدين وتفسير الشريعة. ويُعتقد أن هذا المنصب انتقل في نسل علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء، عبر سلسلة محددة من اثني عشر إماماً، آخرهم محمد بن الحسن المهدي.
الأئمة هم: علي بن أبي طالب، الحسن بن علي، الحسين بن علي، علي زين العابدين، محمد الباقر، جعفر الصادق، موسى الكاظم، علي الرضا، محمد الجواد، علي الهادي، الحسن العسكري، محمد بن الحسن المهدي (الإمام الغائب).
تمثّل عقيدة "الغيبة" نقطة مفصلية في الفكر الاثني عشري؛ إذ يُعتقد أن الإمام الثاني عشر وُلد ثم غاب عن الأنظار، أولاً في غيبة صغرى (عقب وفاة الإمام الحادي عشر واستمرت 69 سنة)، ثم في غيبة كبرى ما زالت مستمرة حتى ظهور المهدي. وخلال هذه الغيبة بقي الإمام حياً يؤدي دوراً غيبياً في حفظ الدين، على أن يظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً. وقد أفرز هذا التصور إشكاليات عملية حول القيادة الدينية والسياسية، أدّت إلى نشوء نظام "المرجعية" (الفقيه الأعلى) بوصفه حلاً تنظيمياً لإدارة شؤون الفقه والدين في غياب الإمام.
العصمة عنصر أساسي في هذا النسق العقدي؛ فهي تشمل الأئمة كما تشمل الأنبياء، وتجعل أقوالهم وأفعالهم حجة دينية. وبناء على ذلك، أصبحت روايات الأئمة مصدراً رئيساً للتشريع، إلى جانب القرآن، مع اعتماد واضح على العقل بوصفه أداة استدلالية معتبرة في علم الكلام الإمامي. ويظهر هذا بجلاء في تبنّيهم لمبدأ «العدل الإلهي» كأصل عقدي مستقل، وفي بناء منظومات عقلية للدفاع عن الإمامة والغيبة.
يتبنّى الاثنا عشرية في موقفهم من الصحابة رؤية نقدية تقوم على أن الخلافة بعد النبي انحرفت عن النص الإلهي الذي يعتقدون ثبوته على علي، وهو ما أدّى إلى توترات تاريخية وعقدية عميقة مع أهل السنة. وعلى المستوى الفقهي، تبلور المذهب الجعفري من خلال مدرسة تنسب إلى الإمام جعفر الصادق، ويتميّز بأحكام واجتهادات خاصة في العبادات والمعاملات، وبمنهج مختلف في قبول الروايات وتقييمها.
وفي العصر الحديث، تطوّر داخل التيار الاثني عشري نقاش واسع حول السلطة السياسية، بلغ ذروته في نظرية "ولاية الفقيه"، التي ترى أن الفقيه الجامع للشرائط ينوب عن الإمام الغائب في إدارة شؤون المجتمع والدولة. ورغم تبنّي هذه النظرية في بعض الدول، فإنها ليست محل إجماع داخل المدرسة الإمامية نفسها.
بهذا يتضح أن التشيّع، وبخاصة في صيغته الاثني عشرية، ليس مجرد موقف تاريخي من الخلافة، بل منظومة عقدية وفقهية متكاملة، أعادت صياغة مفاهيم القيادة والسلطة والمعرفة الدينية حول فكرة الإمامة، وجعلتها الإطار الناظم لفهم الدين والتاريخ معاً.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أيام الكواكب وسنواتها

الاتحاد الأوروبي

قواعد المنطق الرئيسية الثلاث

قانون نيوتن الثاني

قانون نيوتن الأول

البركان

التركيب الضوئي

الغلوسيدات

مصباح التوهج الكهربائي

العصر الحجري الحديث Neolithic