نهر الميكونغ




أحد أعظم أنهار العالم، ليس بطوله فحسب، بل بالدور الحضاري الذي أداه ولا يزال يؤديه في جنوب شرق آسيا. فهو بالنسبة إلى هذه المنطقة يشبه إلى حد بعيد ما يمثله النيل لمصر أو الدانوب لأوروبا، إذ يربط بين شعوب وثقافات متعددة، ويؤمن الماء والغذاء والملاحة لملايين البشر.
ينبع من هضبة التبت في جنوب غربي الصين، على ارتفاع يزيد على خمسة آلاف متر، حيث تتغذى منابعه من الثلوج والأنهار الجليدية. ويُعرف في الصين باسم لانتسانغ (Lancang)، ثم يواصل رحلته جنوباً عبر ست دول هي: الصين، وميانمار، ولاوس، وتايلاند، وكمبوديا، وأخيراً فيتنام، حيث ينتهي في بحر الصين الجنوبي بدلتا واسعة تعد من أكثر مناطق العالم خصوبة. ويبلغ طوله نحو 4900 كيلومتر، مما يجعله أطول أنهار جنوب شرق آسيا، ومن أطول أنهار العالم.
ويمتد حوض النهر على مساحة تقارب 795 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل مساحة دولة كبيرة، ويصب سنوياً في البحر نحو 475 كيلومتراً مكعباً من المياه، وهو ما يضعه بين أغزر عشرة أنهار في العالم من حيث متوسط التصريف السنوي. غير أن هذه الغزارة ليست ثابتة طوال العام، بل تخضع لتقلبات موسمية كبيرة؛ ففي موسم الأمطار قد يصل تصريفه في كمبوديا إلى نحو 60 ألف متر مكعب في الثانية، بينما ينخفض في موسم الجفاف إلى جزء يسير من ذلك.
ولا تكمن أهمية الميكونغ في كمية مياهه وحدها، بل في الثروة الهائلة التي يحملها. فهو ينقل سنوياً كميات ضخمة من الطمي الذي يغذي الأراضي الزراعية، ولا سيما في دلتا فيتنام، التي تُعد من أكبر مناطق إنتاج الأرز في العالم. كما يضم أحد أغنى مصائد الأسماك في المياه العذبة على سطح الأرض، وتعتمد عليه ملايين الأسر في غذائها ورزقها. وقد وُصفت مصايده بأنها أكبر مصايد داخلية للمياه العذبة في العالم من حيث الإنتاج، وتبلغ قيمتها الاقتصادية مليارات الدولارات سنوياً.
ويتميز النهر أيضاً بتنوع بيولوجي استثنائي. فهو موطن لآلاف الأنواع من الأسماك والكائنات المائية، من أشهرها سمكة السلور العملاقة في الميكونغ، التي قد يتجاوز طولها ثلاثة أمتار ويصل وزنها إلى ثلاثمائة كيلوغرام، وهي من أكبر أسماك المياه العذبة في العالم، وإن كانت مهددة اليوم بالانقراض بسبب الصيد الجائر وبناء السدود.
وعندما يدخل الميكونغ الأراضي الكمبودية، تحدث الظاهرة الطبيعية الفريدة. ففي موسم الأمطار ترتفع مياهه إلى حد يدفعها عكس اتجاه نهر تونلي ساب، فتتدفق نحو البحيرة وتضاعف مساحتها مرات عديدة، ثم تعود المياه إلى مجراها الطبيعي مع حلول موسم الجفاف. وهذه الظاهرة تكاد تكون فريدة بين أنهار العالم، وهي التي جعلت بحيرة تونلي ساب من أغنى البيئات السمكية وأكثرها إنتاجاً.
لكن الميكونغ يواجه اليوم تحديات كبيرة. فقد شُيدت على مجراه، ولا سيما في الصين ولاوس، سدود ضخمة لتوليد الطاقة الكهرومائية. ورغم ما توفره من كهرباء وتنمية اقتصادية، فإنها تغير إيقاع جريان النهر، وتحد من انتقال الرواسب والطمي، وتؤثر في هجرة الأسماك وتكاثرها، وهو ما يثير قلق الدول الواقعة في أسفل الحوض، ولا سيما كمبوديا وفيتنام، اللتين تعتمدان اعتماداً كبيراً على فيضاناته الطبيعية. كما يضاف إلى ذلك تأثير التغير المناخي، الذي يجعل مواسم الأمطار والجفاف أقل انتظاماً وأكثر تطرفاً.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أيام الكواكب وسنواتها

الاتحاد الأوروبي

قواعد المنطق الرئيسية الثلاث

قانون نيوتن الثاني

قانون نيوتن الأول

البركان

التركيب الضوئي

الغلوسيدات

مصباح التوهج الكهربائي

العصر الحجري الحديث Neolithic