المذاهب الإسلامية الأربعة

نشأت المذاهب الفقهية السنية في القرنين الثاني والثالث للهجرة، لا نتيجة انقسامٍ عقدي، بل نتيجة اتساع العالم الإسلامي وتنوّع بيئاته، وتفاوت وصول الحديث، وتعدّد طرائق فهم النص. كان السؤال المشترك بين الأئمة الأربعة واحداً: كيف نعرف حكم الله في واقعة لم يرد فيها نص صريح؟ لكن الإجابة المنهجية اختلفت. ومنه نشأت المذاهب.

المذهب الحنفي: أنشأه الإمام أبو حنيفة (ت 150 هـ) الحنفي في الكوفة، وهي بيئة حضرية معقّدة، كثرت فيها النوازل وقلّ فيها الحديث مقارنة بالحجاز. لهذا ركّز أبو حنيفة على: القياس الواسع، والاستحسان (العدول عن القياس الظاهر لمصلحة أقوى)، والتحفّظ الشديد في قبول الحديث الآحاد. وهو لا يرفض النص، لكنه يسأل دائماً: هل هذا النص ثابت؟ وهل تطبيقه الحرفي يحقق مقصده؟ فكان مذهبه أكثر مرونة تشريعية، وأقدر على التعامل مع المعاملات والأنظمة، ولهذا انتشر في الدول والمؤسسات.

المذهب المالكي: أنشأه مالك بن أنس (ت 179 هـ) في المدينة، حيث الذاكرة النبوية حيّة في السلوك اليومي.
فانطلق مالك من فكرة جوهرية: ما توارثه أهل المدينة عملاً هو تفسير عملي للسنة. لذلك اعتمد: عمل أهل المدينة كمصدر، والمصالح الحقيقية التي لم يرد فيها نص، وسدّ الذرائع. لذا فهو يثق بـالسنة المعيشة أكثر من النص المفرد، ويرى أن الدين يُحفظ بالسلوك الجماعي لا بالاستنباط الذهني وحده.

المذهب الشافعي: أنشأه محمد بن إدريس الشافعي (ت 204 هـ)في مرحلة تَنازع فيها أهل الرأي وأهل الحديث، فكان مشروعه توحيدياً يقوم على: ضبط العلاقة بين القرآن والسنة، تقوية حجية الحديث، وضع قواعد أصول الفقه. وهو لا يقدّم الرأي على النص، ولا يترك النص بلا عقل، بل يسأل: ما القاعدة التي تمنع الفوضى في الاستدلال؟ فكان مذهبه أكثر المذاهب اتساقاً نظرياً، وأشدها تأثيراً في الفكر الفقهي اللاحق.

المذهب الحنبلي: أسسه أحمد بن حنبل (ت 241 هـ) في بغداد، وسط جدل كلامي حاد. فكان ردّ أحمد بن حنبل بالقول بتقديم الحديث على القياس، العمل بالأثر (ما ورد عن السلف من أقوال أو أفعال أو إفتاء عملي، سواء من الصحابة أو التابعين، أو من أئمة الفقه المبكرين، ويُعتبر حجة إذا لم يوجد نص عن النبي واضح في الموضوع) ما أمكن، تقليل التدخل العقلي في التشريع. وهو لا يرفض العقل، لكنه يخشاه حين يتجاوز حدوده. كان سؤاله الدائم: هل لنا أن نقول برأينا مع وجود أثر؟ فكان مذهبه أشد المذاهب نصّية، وأكثرها احتياطاً.

تختلف المذاهب في: ترتيب الأدلة، ووزن الحديث الآحاد، ومساحة القياس، اعتبار المصلحة والعرف

ولهذا تختلف أحكامها في: تفاصيل العبادات، المعاملات، بعض القضايا الاجتماعية

لكنها تتفق على: أصل العبادة، والمقاصد الكبرى، الإطار العقدي السني


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أيام الكواكب وسنواتها

الاتحاد الأوروبي

قواعد المنطق الرئيسية الثلاث

قانون نيوتن الثاني

قانون نيوتن الأول

البركان

التركيب الضوئي

مصباح التوهج الكهربائي

الغلوسيدات

العصر الحجري الحديث Neolithic