الفقه الإسلامي
مع اتساع رقعة الإسلام وتنوّع المجتمعات الداخلة فيه، ظهرت الحاجة إلى تفسير النصوص وإسقاطها على واقع متغيّر، فنشأ الفقه الإسلامي بوصفه علماً عملياً يُعنى باستنباط الأحكام من القرآن والسنة. لم يكن الفقه منذ بداياته، منظومة جامدة، بل ممارسة اجتهادية حية، تشكّلت في تفاعل مستمر مع المجتمع، والعرف، والتحولات السياسية.
ولا يمثّل تيارا السُنة والشيعة مذهبين فقهيين بالمعنى الضيق، بل إطارين عقديين عامين، يشتركان في الاعتماد على القرآن والسنة، ويختلفان في بعض المرجعيات التفسيرية والتاريخية. فالشيعة، إلى جانب القرآن والحديث الصحيح، يرون في الإمامة امتداداً تفسيرياً ومرجعياً للدين، بينما اعتمد السنة على جماعة العلماء والفقهاء في تنظيم الفهم والتطبيق.
تبلورت المذاهب الأربعة الكبرى في الفقه السنيّ، التي نظّمت عملية الاجتهاد وحدّدت أدواته، مع اختلافات منهجية في التعامل مع النص والعقل والعرف. وفي الفقه الشيعي، تشكّلت مدارس فقهية خاصة، مع استمرار واضح لدور الاجتهاد، لا سيما بعد غياب الإمام، حيث برز الفقيه بوصفه مرجعاً دينياً وقانونياً للمجتمع. ورغم كثرة الفرق والمذاهب والمدارس الكلامية والفكرية التي ظهرت عبر التاريخ، بقيت الأخلاق جوهر الخطاب الإسلامي: العدل، والكرامة الإنسانية، والأمانة، والرحمة. وهي القيم التي شكّلت دائماً المعيار الذي يُقاس به الفقه، سواء كان قريباً من السلطة أو بعيداً عنها.
ولم يكن الفقه نتاجاً مباشراً لإرادة الحاكم ولا فرعاً من فروع السلطة السياسية، بل نشأ وتطوّر بوصفه منظومة أخلاقية وقانونية مستقلة، تديرها جماعة العلماء وتحتكم إلى النص والاجتهاد والتقاليد الفقهية المتراكمة. فالدولة، على اختلاف عصورها، لم تكن المُشرِّع بالمعنى الدقيق، بل وجدت نفسها مضطرة إلى التعايش مع نظام فقهي سابق عليها، لا تملكه ولا تنتجه، وإنما تحاول أحياناً احتواءه أو تنظيم حضوره عبر القضاء وتعيين القضاة. ومن هذا المنظور، كما يوضّح عدد من دارسي تاريخ الشريعة (ومنهم وائل حلاق)، لم يكن القضاء جهازاً سيادياً خالصاً بقدر ما كان حلقة وصل بين المجتمع والفقه، وهو ما جعل العلاقة بين الفقه والحكم علاقة شدّ وجذب، لا علاقة تبعية بنيوية.
كمثال حي على ذلك، يروى أن قاضياً جاء إلى الخليفة عمر بن الخطاب بسؤال في مسألة لم يجد لها حكماً جاهزاً، فسأله عن رأيه، فأجاب عمر بصدق: "لا أعرف، وأنت القاضي مطالب بأن تبحث عن الحكم." يوضح هذا الموقف أن حتى أعلى سلطة سياسية كانت تعترف بحدودها، وأن القضاء والفقه مستقلان في جوهرهما عن التسلط الحاكم، مع ضرورة الاجتهاد والبحث العلمي.
والفقه الإسلامي، في جميع مدارسه، ليس مجرد مجموعة أحكام جامدة، بل كان عملية عقلية وأخلاقية مستمرة، تتأثر بالزمان والمكان، وتوازن بين النص والمصلحة، وبين الثابت والمتغير. وقد مرّ الفقه بمراحل متعددة: من المرونة الأولى في عهد الصحابة والتابعين، إلى مرحلة التقنين وضبط القواعد، ثم فترات من الجمود النسبي، وصولاً إلى العصر الحديث، حيث يواجه تحديات الدولة الحديثة، والقوانين الوضعية، والأسئلة الاقتصادية والعلمية وحقوق الإنسان.
تعليقات
إرسال تعليق