رواية "الحرب والسلم" لليف تولستوي
![]() |
| المسودة التاسعة لبداية الرواية |
تصور هذه الرواية الضخمة المجتمع الروسي في مطلع القرن التاسع عشر على خلفية الحروب النابليونية، مع تتبع مصائر عائلات أرستقراطية كبرى مثل آل روستوف، بولكونسكي وبيير بيزوخوف. تجمع الرواية بين التاريخ والخيال لتسبر أعماق الفرد والتاريخ معاً.
في معركة أوسترليتز، خاض الجيش الفرنسي بقيادة نابليون ضد التحالف الروسي-النمساوي، الذي انهارت خططه عند التنفيذ، مما أدى إلى هزيمة التحالف. لم تكن الخسارة نتيجة نقص الشجاعة أو تفوق العدو، بل لأن الأحداث تفلت من إرادة القادة، وهو ما يعكس وهم السيطرة العقلية على الحرب كما يصوره تولستو، إذ أن أسباب الربح والخسارة مركبة وشديدة التعقيد لا يمكن السيطرة عليها على نحو كامل.
في المقابل، يقدّم كوتوزوف (1745-1813) نموذج قيادة مختلفاً، يقوم على الصبر والانصياع للواقع والاستنزاف التدريجي للعدو. فخلال معركة بورودينو التي قادها غرب موسكو عام 1812 ضد نابليون، تكبّد الطرفان خسائر فادحة دون انتصار حاسم لأي منهما، ثم انسحب كوتوزوف تكتيكياً إلى مشارف موسكو، محافظاً على قدرة الجيش الروسي على الاستمرار.
ولدى دخول نابليون موسكو، تخيل أن سقوطها سيتيح له فرض القانون والنظام. ولكنه وجد المدينة خالية من السكان. اندلعت الحرائق فيها ودمرت معظمها. لم يشعل كوتوزوف المدينة شخصياً، لكنه اختار عدم التدخل كجزء من استراتيجيته، مما ساعد على إضعاف الجيش الفرنسي وإفشال حلم نابليون بالسيطرة الكاملة على روسيا.
في نهاية المطاف، ينجح الجيش الروسي بقيادة كوتوزوف في إخراج الفرنسيين من الأراضي الروسية، لكن الانتصار كان باهظ الثمن: آلاف القتلى والجرحى، وتدمير المدن، ومعاناة واسعة للشعب، ما يؤكد أن الانتصارات التاريخية نادراً ما تأتي بلا ثمن.
على الصعيد الإنساني، تواجه الشخصيات الرئيسية مثل بيير بيزوخوف، الأمير أندريه، وناتاشا روستوفا تحديات أخلاقية وعاطفية عميقة، فتدفعهم الحرب إلى إعادة تعريف معنى الشرف والسعادة والحياة.
وبهذا لا تقدّم الرواية مجرد سرد تاريخي، بل رؤية فلسفية شاملة ترى التاريخ نتيجة تفاعل البشر والظروف، وتؤكد أن المعنى الحقيقي للحياة يولد من التواضع، العائلة، والصمود الأخلاقي بعيداً عن أوهام المجد والسيطرة.
وكأن تولستوي يريد أن يقول لنا إن التاريخ ليس نتاج عبقرية القادة وحدها، بل نتيجة تفاعل البشر والظروف، والانتصارات والهزائم تتداخل مع معاناة الإنسان، فيما المعنى الحقيقي للحياة يُولد من التواضع، العائلة، والصمود الأخلاقي بعيداً عن أوهام المجد والسيطرة.

تعليقات
إرسال تعليق