إخوانُ الصفا وخِلّانُ الوفا




أطلقوا على أنفسهم هذه التسمية عن قصدٍ رمزيّ ودلالي، لا بوصفها لقباً عَرَضياً، بل تعبيراً مباشراً عن جوهر مشروعهم الفكري والأخلاقي. فهي تُشير إلى جماعة من الأصدقاء المتآخين، المتّحدين على صفاء النفس وصدق القصد، ويجمعهم السعي المشترك في طريق المعرفة والتهذيب، وهو ما يشكّل جوهر نشاطهم الفكري والتربوي.
ويُرجّح الباحثون أن تكون هذه التسمية مستلهمة من قصة رمزية وردت في إحدى رسائلهم، هي قصة "الحمامة المطوّقة" المأخوذة من كليلة ودمنة، حيث تنجو مجموعة من الحمام من الشبكة بفضل التعاون والأخوّة. وقد اتّخذ إخوان الصفا من هذه القصة رمزاً لفكرتهم الأساسية، وهي أن الخلاص لا يتحقّق فردياً، بل جماعياً، من خلال التآزر المعرفي والأخلاقي.
وهم جماعةٌ من المفكّرين والفلاسفة عُرفت بهذا الاسم لكونها جماعةً منظَّمة ذات مشروع فكري وأخلاقي مشترك. تمثّل هدفهم الأساسي في أمرين متلازمين:
أولاً، تهذيب النفس وتطهيرها بالمعرفة والعلم ونشرهما بوصفهما طريقاً للخلاص الروحي، وثانياً، التوفيق بين الدين والفلسفة، إذ كانوا يعتقدون أن الشريعة والفلسفة لا تتعارضان، بل تتكاملان، وأن كليهما يقود إلى حقيقة واحدة إذا أُحسن فهمه.
نشط إخوان الصفا في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، ويُرجَّح أنهم عاشوا في مدينة البصرة، مع امتداد بعض نشاطهم الفكري إلى بغداد. لم تُعرف أسماؤهم على وجه اليقين، وقد تعمّدوا إخفاء هويّاتهم، لا بسبب غياب الحرية الفكرية بالمعنى العام في عصرهم، بل لأن استخدام الفلسفة في تأويل الدين، والعمل ضمن جماعة منظَّمة ذات خطاب أخلاقي وسياسي ضمني، كان يثير الريبة. ويضاف إلى ذلك اشتداد الصراع بين الدولة العباسية والدولة الفاطمية الناشئة، وما أُشيع عن صلة إخوان الصفا، أو بعضهم، بالتيار الإسماعيلي والقرامطة، الأمر الذي جعل السريّة خياراً وقائياً.
تأثّر إخوان الصفا بالفلسفة الإغريقية، ولا سيما الفيثاغورية في تعظيم العدد والنِّسَب، والأفلاطونية والأرسطية في مباحث النفس والعقل والكون، غير أنهم لم يكونوا نقلةً للفلسفة، بل أعادوا صوغها ضمن مشروع إسلامي ذي غاية تربوية وروحية.
خلّفوا أثرهم الأكبر في موسوعتهم الشهيرة "رسائل إخوان الصفا"، التي تُعدّ من أوائل الموسوعات الفلسفية في الثقافة العربية الإسلامية. تتألّف هذه الرسائل من اثنتين وخمسين رسالة، قُسِّمت وفق ترتيب تعليمي وتصاعدي:
أربع عشرة رسالة في العلوم الرياضية (الحساب، الهندسة، الفلك، الموسيقى)، انطلاقاً من اعتقادهم أن الرياضيات تُدرِّب العقل على النظام والدقة، وأن الكون في جوهره قائم على العدد والانسجام.
سبع عشرة رسالة في العلوم الطبيعية، تبحث في العالم المادي المحسوس، حيث يرون أن الطبيعة متدرّجة تبدأ من الجماد وتنتهي بالإنسان، الذي يُعدّ خلاصة الطبيعة وجسراً بين العالم المادي والعالم الروحي.
عشر رسائل نفسية وعقلية، تعالج قضايا النفس والعقل والمعرفة والأخلاق، انطلاقاً من تصورهم أن الجسد سجنٌ للنفس، وأن المعرفة والفضيلة هما طريق تحرّرها وارتقائها.
إحدى عشرة رسالة إلهية وميتافيزيقية، تتناول صفات الخالق، ونظرية الفيض والخلق، والنبوة والشرائع، والمعاد والآخرة، وتنتهي ببحث السياسة والأخلاق الجماعية وبناء المجتمع الفاضل.
يرى إخوان الصفا أن الشرائع خطابات رمزية موجّهة لعامة الناس، في حين أن الفلسفة خطاب عقلي موجَّه للخاصة، وأن الاختلاف بين الأديان هو اختلاف في الصور والشرائع لا في الحقيقة الجوهرية. ومن هنا أكّدوا أن الشريعة بلا عقل تقليد أعمى، والعقل بلا شريعة قد ينتهي إلى الضلال.
يحتل مفهوم الأخوّة الإنسانية في مشروعهم موقعاً مركزياً؛ فالمعرفة عندهم ليست غاية فردية، بل أساس للتعاون الأخلاقي وبناء مجتمع فاضل. كما أن الإنسان، بوصفه عالَماً صغيراً يجمع مراتب الوجود، هو الكائن المؤهَّل للارتقاء والخلاص إذا سلك طريق العلم والعمل معاً.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أيام الكواكب وسنواتها

الاتحاد الأوروبي

قواعد المنطق الرئيسية الثلاث

قانون نيوتن الثاني

قانون نيوتن الأول

البركان

التركيب الضوئي

مصباح التوهج الكهربائي

الغلوسيدات

العصر الحجري الحديث Neolithic