رواية "موت إيفان إيليتش" لتولستوي

 


هي رواية قصيرة نسبياً مقارنة بأعماله الأخرى مثل السلم والحرب وآنا كارنينا، نشرها عام 1886. اختار تولستوي (1828-1910) فيها التكثيف على السرد ليروي فيها فلسفته في الحياة، بعد أزمته الروحية التي مرّ بها في سبعينيات القرن التاسع عشر، وهي تجسّد عملياً أفكاره حول زيف الحياة الاجتماعية القائمة على المنفعة والمكانة، يجعل فيها مكانة عالية للأخلاق متمثلة في الصدق والرحمة، وفيها يظهر اعتباره للموت كمحك يكشف قيمة الحياة لا نقيضاً لها. وعبرها يجسّد تولستوي رؤيته للحياة الصالحة كما يراها.

يروي فيها سيرة قاضٍ روسي هو إيفان إيليتش غولوفين، عاش حياة ناجحة اجتماعياً ومنسجمة ظاهرياً مع معايير الطبقة الوسطى. إثر إصابته بمرض عضال، يبدأ وعيه بالتحول؛ إذ يكتشف أن حياته، رغم استقامتها الشكلية، كانت خاوية من المعنى والصدق. ومع اقتراب الموت، تتكشف له برودة المحيطين به وزيف علاقاته، قبل أن يبلغ في لحظاته الأخيرة إدراكاً أخلاقياً متأخراً يخفف عنه رعب النهاية.
تعتمد الرواية بنية تبدأ بالموت وتنتهي به، مما يحوّل السرد إلى محاكمة للحياة لا للمصير. أسلوب تولستوي مباشر ودقيق، خالٍ من الزخرفة، ويعكس فراغ العالم الذي يصفه. الشخصيات الثانوية، معظمها من أفراد عائلته مثل زوجته وابنه وابنته، مسطحة عمداً لتجسيد النفاق الاجتماعي، بينما يبرز الخادم غيراسيم (Gerasim) بوصفه نموذجاً أخلاقياً قائماً على الصدق وقبول الفناء. المرض والألم عنصران رمزيان يكشفان تصدع الحياة الزائفة لا مجرد تدهور الجسد.

تطرح الرواية سؤال العيش الأصيل في مواجهة الامتثال الاجتماعي، وتقدّم الموت كقوة كاشفة للحقيقة لا كحدث بيولوجي فقط. معاناة إيفان إيليتش تقوده إلى وعي أخلاقي يقوم على التعاطف ونفي الأنانية، لا على خلاص عقائدي. بهذا المعنى، تنتقد الرواية حياة "الصواب الظاهري" وتؤكد أن المعنى لا يُقاس بالنجاح، بل بصدق العلاقة مع الذات والآخرين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أيام الكواكب وسنواتها

الاتحاد الأوروبي

قواعد المنطق الرئيسية الثلاث

قانون نيوتن الثاني

قانون نيوتن الأول

البركان

التركيب الضوئي

مصباح التوهج الكهربائي

الغلوسيدات

العصر الحجري الحديث Neolithic