الدولة الحمدانية



وضع حمدان بن حمدون، زعيم من قبيلة تغلب، الأساس العسكري والقبلي لنفوذ الأسرة الحمدانية في الجزيرة الفراتية شمالي العراق. وقد تمرّد على الخليفة العباسي المعتضد بالله، فقتل أو توفي في الأسر نحو عام 895م. يقول بعض المؤرخين إنهم من أصل كردي وانتسابهم إلى التغالبة إنما كان لأسباب سياسية.
ومع الجيل التالي، برزت الأسرة الحمدانية كقوة سياسية منظّمة، وبلغت الإمارة طورها الفعلي في الموصل في عهد حفيده ناصر الدولة الحمداني في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، في سياق التفكك التدريجي لسلطة الخلافة العباسية. ثم أسس الحمدانيون إمارتين رئيسيتين: إمارة الموصل، وإمارة حلب التي سرعان ما أصبحت القلب السياسي والثقافي للدولة.
وقد بلغت الدولة الحمدانية ذروتها في عهد أميرها الأشهر سيف الدولة الحمداني (ت 967م)، الذي اتخذ من حلب عاصمة لإمارته، وجعل منها ثغراً متقدماً في الصراع الطويل مع الإمبراطورية البيزنطية. وطبع عهده طابع عسكري واضح، إذ قاد حملات متكررة على الحدود الشمالية، رسّخت صورته في الذاكرة العربية الإسلامية بوصفه أميراً مجاهداً وحامياً للثغور، رغم ما عرفته سنواته الأخيرة من هزائم عسكرية وتراجع في ميزان القوى.
وإلى جانب هذا الدور العسكري، شهدت حلب الحمدانية ازدهاراً ثقافياً لافتاً، إذ تحوّل بلاط سيف الدولة إلى مركز جذب للشعراء والمفكرين، وفي مقدمهم المتنبي وأبو فراس الحمداني، فضلاً عن فلاسفة (الفارابي) وعلماء، ما جعل الإمارة الحمدانية تمثل إحدى آخر المحاولات الكبرى لرعاية الثقافة العربية في ظل سلطة سياسية إقليمية مستقلة نسبياً.
لم تكن الدولة الحمدانية دولة عقائدية بالمعنى الصارم، بل قامت على تشيّع سياسي معتدل، وظّفه الحمدانيون لتعزيز استقلالهم عن بغداد دون الالتحاق بالمشروع الفاطمي. وفي هذا الإطار، انتهج سيف الدولة سياسة براغماتية تجاه التنوّع الديني والمذهبي داخل إمارته، فسمح بوجود طيف واسع من الجماعات، من سنّة وشيعة ونصيريين ومسيحيين، ما دام ذلك لا يهدد استقرار الحكم أو الجبهة العسكرية. وقد وفّر هذا المناخ قدراً من الحماية غير المباشرة لبعض الجماعات الدينية، من دون أن يعني ذلك تبنّيها أو التحالف معها عقدياً أو عسكرياً.
بعد وفاة سيف الدولة سنة 967م، بدأت الدولة الحمدانية تفقد تماسكها تدريجياً، بفعل الصراعات الداخلية وتزايد الضغط البيزنطي وتدخّل القوى الإقليمية المنافسة. ومع مطلع القرن الحادي عشر الميلادي، سقطت إمارة حلب الحمدانية نهائياً، لتطوى بذلك صفحة كيان سياسي لعب دوراً محورياً في تاريخ شمال سوريا، وترك أثراً عميقاً في الذاكرة السياسية والثقافية العربية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أيام الكواكب وسنواتها

الاتحاد الأوروبي

قواعد المنطق الرئيسية الثلاث

قانون نيوتن الثاني

قانون نيوتن الأول

البركان

التركيب الضوئي

مصباح التوهج الكهربائي

الغلوسيدات

العصر الحجري الحديث Neolithic