المشاركات

الصوفية

الصوفية تمثل البُعد الروحي العميق في الإسلام، وهي ليست مذهباً فقهياً مستقلاً، ولا فرقة عقدية، بل نزعة روحية وسلوكية عابرة للمذاهب، تأسست في القرنين الأول والثاني الهجريين كرد فعل على الانغماس في الترف والتوسع السياسي، بحثاً عن تزكية النفس والإخلاص لله. وقد ارتبط اسمها أصلاً بـ"الصوف"، أي لباس الصوف الذي كان يلبسه الزهاد رمزاً للتقشف والزهد، ثم توسع المعنى ليشمل النهج الروحي الكامل والسلوك التربوي. تركز الصوفية على الباطن الديني دون إنكار الظاهر، ومن أبرز مفاهيمها: الزهد، المجاهدة، الذكر، المحبة الإلهية، والمقامات الروحية مثل التوبة والصبر والرضا والفناء. وقد تطورت لتشمل المدارس الصوفية المنظمة والطرق التربوية، حيث لكل طريقة شيخ وأذكار وسلسلة تربوية، ومن أبرز هذه الطرق: القادرية، النقشبندية، الشاذلية، الرفاعية، والتيجانية. امتد حضور الصوفية الفكري والعملي على قرون طويلة، وكان القرن السادس الهجري/القرن الثاني عشر الميلادي مرحلة أوج التنظيم والتأسيس، مع ظهور طرق صوفية كالقادرية والرفاعية، بينما يمثل القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي أوج الإنتاج الفكري والثقافي، مع شخصيات ...

الإسماعيليون: نشأتهم وتياراتهم وتطورهم التاريخي

الإسماعيليون فرع من الشيعة نشأ في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، في سياق الخلاف حول الإمامة بعد وفاة الإمام جعفر الصادق. فقد رأت جماعة من أتباعه أن الإمامة تنتقل إلى ابنه إسماعيل بن جعفر، أو إلى ذريته، في حين اتجه التيار الذي صار لاحقاً اثني عشرياً إلى موسى الكاظم. ومن هنا تبلور التيار الإسماعيلي بوصفه فرعاً شيعياً مميزاً، يقوم على فكرة الإمامة المستمرة والنص الإلهي، مع حضور قوي للتأويل الباطني للنصوص الدينية. نشطت دعوتهم السرية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، في العراق واليمن والشام وشرق الجزيرة العربية، واتخذت طابعاً تنظيمياً محكماً. ومن رحم هذه الدعوة خرجت حركات متعددة، من بينها القرامطة، الذين يمثلون انشقاقاً مبكراً ومتطرفاً عن الإسماعيلية. فالقرامطة اشتركوا مع الإسماعيليين في الأصل الدعوي والتنظيم الباطني، لكنهم انفصلوا عقدياً وسياسياً، ورفضوا لاحقاً خط الإمامة الفاطمية، وتحولوا إلى حركة ثورية راديكالية انتهت بالاندثار، بينما استمرت الإسماعيلية كتيار شيعي قائم. بلغ الإسماعيليون ذروة حضورهم السياسي مع قيام الدولة الفاطمية سنة 297 هـ/909 م، التي اتخذت من شمال أفريقيا ثم م...

العقيدة الشيعية

نشأ مصطلح "الشيعة" في السياق الإسلامي المبكر للدلالة على الأنصار والأتباع، ثم استقر اصطلاحاً على الجماعات التي رأت أن علي بن أبي طالب هو الأَولى بالخلافة بعد وفاة النبي، وأن قيادة الأمة ليست شأناً سياسياً محضاً، بل منصب ديني له امتداد عقدي وتشريعي. ومن هذا المنطلق تبلورت فكرة "الإمامة"، التي استُدل لها لاحقاً بآيات من القرآن، من أبرزها: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾، بوصفها المحور المركزي الذي تشكّل حوله الفكر الشيعي، وتفرّعت عنه مدارس واتجاهات متعددة عبر القرون. لم تكن الشيعة تاريخياً كتلة واحدة متجانسة، بل انقسمت مبكراً إلى فرق كبرى بحسب تصورها للإمامة وتسلسل الأئمة وحدود صلاحياتهم. أبرز هذه الفرق: الزيدية، والإسماعيلية، والاثنا عشرية (الإمامية). فالزيدية، التي تركز وجودها في اليمن، قدّمت تصوراً أقل غلوّاً للإمامة، ولم تشترط العصمة المطلقة، واقترب فقهها من المذاهب السنية. أما الإسماعيلية فذهبت في اتجاه باطني تأويلي، وتفرّعت عنها حركات ودول تاريخية كان أشهرها ...

الإباضية

  فرقة إسلامية مستقلة عن السنة والشيعة، ينسبون تاريخياً إلى الخوارج، لكنهم يُعرفون بأنهم أخفّهم وأكثرهم اعتدالاً، بعيدون عن التطرف والتكفير الجماعي. يُنسب تأسيس هذه الفرقة إلى عبد الله بن إباض التيمي (توفي حوالي 86 هـ / 705 م)، الذي يُعد المؤسس التاريخي، ومن اسمه أخذت الفرقة اسمها. نشأت في عمان واليمن، ثم انتشروا لاحقاً إلى شمال أفريقيا نتيجة الهجرات والدعوة، واستقروا في مناطق جبلية مثل جبل نفوسة في تونس وليبيا وجبال الأوراس في الجزائر، حيث حافظوا على مجتمعاتهم وعاداتهم الدينية والاجتماعية. عقيدتهم معتدلة ومتميزة عن باقي الفرق الإسلامية، فهم يؤمنون بالله ووحدانيته وبالنبوة، لكنهم لا يؤمنون بالإمامة المعصومة عند الشيعة ولا بولاية أهل البيت، ولديهم موقف معتدل من الصحابة. فقههم مستقل ويُعرف بالمذهب الإباضي، قريب من السنة في المعاملات لكنه مستقل، ويركز على التعايش والاعتدال في السياسة والدين. تميز الإباضيون بقدرتهم على التعايش مع غيرهم ورفض التطرف والكفر الجماعي، كما حافظوا على نظام اجتماعي محلي يحافظ على الانضباط والمجتمع. تاريخياً، استلموا إمارات صغيرة في شمال أفريقيا، مثل إمارات ج...

الخوارج

هي فرقة إسلامية نشأت في القرن الأول الهجري، واسمها يعني "الخارجون" نسبة إلى خروجهم على الإمام علي بن أبي طالب بعد معركة صفين عام 37 هـ / 657 م، اعتراضاً على التحكيم الذي تم بينه وبين معاوية بن أبي سفيان. كانوا أول جماعة سياسية-دينية انقسمت عن المسلمين الآخرين بسبب تفسيرهم المتشدد للنصوص الإلهية، واعتقادهم بأن التحكيم البشري يعد خروجاً عن الحق الإلهي. ارتكزت مبادئهم على التشدد في التوحيد والعدل، مع اعتبار كل من يرتكب الكبائر دون توبة كافراً، مما يجعل دمه مباحاً في بعض الفرق. كما آمنوا بالمساواة بين المسلمين في استحقاق الخلافة، بغض النظر عن النسب، ورفضوا أي سلطة بشرية تتعارض مع النصوص الإلهية. هذا التشدد كان سبباً رئيسياً في خروجهم على علي وخوضهم معركة النهروان في 38 هـ / 659 م، حيث سقط آلاف الخوارج. تفرعوا لاحقاً إلى عدة فرق: الإباضية، الأزارقة، والنجدات، وغيرها. ومن أشهر قادتهم ومنظريهم: نعيم بن مسعود (لا يُعرف بدقة سنة ميلاده ووفاته، لكن دوره كان بارزاً في تنظيم الخوارج بعد معركة صفين ومعركة النهروان). الإباضية، المؤسَّسة على يد عبد الله بن إباض التيمي (توفي حوالي 86 هـ / 7...

شيعة الإسلام والعقيدة الشيعية

صورة
نشأ مصطلح "الشيعة" في السياق الإسلامي المبكر للدلالة على الأنصار والأتباع، ثم استقر اصطلاحاً على الجماعات التي رأت أن علي بن أبي طالب هو الأَولى بالخلافة بعد وفاة النبي، وأن قيادة الأمة ليست شأناً سياسياً محضاً، بل منصب ديني له امتداد عقدي وتشريعي. ومن هذا المنطلق تبلورت فكرة "الإمامة"، التي استُدل لها لاحقاً بآيات من القرآن، من أبرزها: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾، بوصفها المحور المركزي الذي تشكّل حوله الفكر الشيعي، وتفرّعت عنه مدارس واتجاهات متعددة عبر القرون. لم تكن الشيعة تاريخياً كتلة واحدة متجانسة، بل انقسمت مبكراً إلى فرق كبرى بحسب تصورها للإمامة وتسلسل الأئمة وحدود صلاحياتهم. أبرز هذه الفرق: الزيدية، والإسماعيلية، والاثنا عشرية (الإمامية). فالزيدية، التي تركز وجودها في اليمن، قدّمت تصوراً أقل غلوّاً للإمامة، ولم تشترط العصمة المطلقة، واقترب فقهها من المذاهب السنية. أما الإسماعيلية فذهبت في اتجاه باطني تأويلي، وتفرّعت عنها حركات ودول تاريخية كان أشهرها ا...

الماتريدية

صورة
ضريح الماتريدي في سمرقند هي مدرسة كلامية سنّية عقلانية معتدلة نشأت في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي في سمرقند ب خراسان ، ونسبت إلى مؤسسها أبو منصور محمد بن محمد الماتريدي (ت 944م)، وهو من بلدة الماتريد قرب سمرقند. وكان الماتريدي عالماً وفقيهاً جمع بين العقل والنقل، وسعى لتثبيت العقيدة السنيّة ضمن منهج معتدل يوازن بين العقل والنصوص الشرعية، على عكس المعتزلة التي كانت تقدم العقل على النص عند التعارض. وهي تعطي للعقل حرية أكثر من الأشاعرة ، مع صرامة أقل. ركزت على استخدام العقل كأداة للتوضيح والدفاع عن العقيدة لا لتأسيسها، مع اعتبار النقل الشرعي (القرآن والسنة) الأصل الذي لا يجوز مخالفته. وفي باب التوحيد، أكدت الماتريدية على وحدانية الله وتنزيهه عن مشابهة المخلوقات، مع إثبات الصفات الإلهية بما يليق بجلاله، وتأويل بعض الصفات عند الحاجة. وقد فصلت الإيمان عن الكبائر، فالإيمان قول وعمل، وارتكاب الكبيرة لا ينقص الإيمان، مع حفظ مسؤولية الإنسان عن أفعاله وفق مبدأ الكسب، بحيث يبقى الله عالماً بكل شيء، لكن الحرية البشرية محفوظة. والعدل الإلهي عند الماتريدية راسخ: كل الشر في العالم نتيجة أفعال ...

الأشاعرة

صورة
مدرسة كلامية سُنّية نشأت في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، هدفت إلى الدفاع عن عقائد أهل السنة باستخدام أدوات عقلية ومنهج جدلي منضبط، في مواجهة تيارين متقابلين: المعتزلة العقلانيين من جهة، والحنابلة الأثريين (القائلين بالرجوع إلى القرآن والسنة وأقوال الصحابة فقط) الرافضين للكلام من جهة أخرى. وتنسب إلى مؤسسها أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (ت 935م)، الذي قضى معظم حياته معتزلياً ثم أعلن انشقاقه، ساعياً إلى تأسيس مذهب وسطي يُبقي للنقل سلطته، وللعقل وظيفته الدفاعية. تقوم العقيدة الأشعرية على جملة من المبادئ العقدية والمنهجية، أبرزها أن القرآن والسنة أصلان ملزمان، ولا يجوز للعقل أن يعارض نصاً قطعياً، لكنه يُستعمل لإثبات أصول العقيدة والرد على المخالفين. فالعقل عند الأشاعرة خادم للنقل لا حاكم عليه. وفي باب التوحيد، يثبت الأشاعرة صفات الله الواردة في النصوص من غير تشبيه ولا تجسيم، ويقولون إن الصفات قديمة قائمة بالذات، مع صيغة وسطية مشهورة: لا هي عين الذات ولا غيرها. أما الصفات الخبرية، فموقفهم منها تراوح تاريخياً بين التفويض والتأويل، خاصة عند المتأخرين. وفي مسألة القدر، تبنّى الأشاعر...

المعتزلة

صورة
رسم تخيلي لابن عطاء تيار فكري إسلامي نشأ في البصرة مطلع القرن الثاني الهجري في سياق جدلٍ ديني وفكري حاد حول الإيمان والقدر والعدل الإلهي. يُنسب تأسيسه إلى واصل بن عطاء الذي انفصل عن حلقة الحسن البصري في مسألة مرتكب الكبيرة (ذنب ورد فيه حد شرعي كالزنا والسرقة)، فكان ذلك إيذاناً بظهور مدرسة عقلية جعلت من البرهان والجدل أدواتٍ مركزية لفهم العقيدة والدفاع عنها. ويبدو أن التسمية تعود للحسن البصري الذي قال، بعد جلسة نقاش في المسجد: لقد اعتزلنا عطاء بن واصل. تميّزت ببناءٍ نظري متماسك عُرف بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. شدّدوا في التوحيد على تنزيه الله تنزيهاً صارماً، فنفوا الصفات الزائدة على الذات خوف التشبيه. وفي العدل أكد المعتزلة حرية الإنسان ومسؤوليته، وقالوا إن العقل يدرك الحسن والقبح، وإن الله لا يظلم ولا يفعل الشر. أما مرتكب الكبيرة فهوعندهم ليس مؤمناً ولا كافراً، بل في منزلة وسطى في الدنيا، ومخلّد في النار إن مات بلا توبة، التزاماً منهم بإنفاذ الوعد والوعيد. ووسّعوا مفهوم الأمر بالمعروف ليشمل مقاومة الظلم إذا...

إخوانُ الصفا وخِلّانُ الوفا

صورة
أطلقوا على أنفسهم هذه التسمية عن قصدٍ رمزيّ ودلالي، لا بوصفها لقباً عَرَضياً، بل تعبيراً مباشراً عن جوهر مشروعهم الفكري والأخلاقي. فهي تُشير إلى جماعة من الأصدقاء المتآخين، المتّحدين على صفاء النفس وصدق القصد، ويجمعهم السعي المشترك في طريق المعرفة والتهذيب، وهو ما يشكّل جوهر نشاطهم الفكري والتربوي. ويُرجّح الباحثون أن تكون هذه التسمية مستلهمة من قصة رمزية وردت في إحدى رسائلهم، هي قصة "الحمامة المطوّقة" المأخوذة من كليلة ودمنة، حيث تنجو مجموعة من الحمام من الشبكة بفضل التعاون والأخوّة. وقد اتّخذ إخوان الصفا من هذه القصة رمزاً لفكرتهم الأساسية، وهي أن الخلاص لا يتحقّق فردياً، بل جماعياً، من خلال التآزر المعرفي والأخلاقي. وهم جماعةٌ من المفكّرين والفلاسفة عُرفت بهذا الاسم لكونها جماعةً منظَّمة ذات مشروع فكري وأخلاقي مشترك. تمثّل هدفهم الأساسي في أمرين متلازمين: أولاً، تهذيب النفس وتطهيرها بالمعرفة والعلم ونشرهما بوصفهما طريقاً للخلاص الروحي، وثانياً، التوفيق بين الدين والفلسفة، إذ كانوا يعتقدون أن الشريعة والفلسفة لا تتعارضان، بل تتكاملان، وأن كليهما يقود إلى حقيقة واحدة إذا أُ...

رواية "الحرب والسلم" لليف تولستوي

صورة
المسودة التاسعة لبداية الرواية نشرها تولستوي (1828-1910) على شكل مسلسل روائي في مجلة "الرسول الروسي" بدءاً من عام 1865، ونشرت كرواية كاملة عام 1869. تصور هذه الرواية الضخمة المجتمع الروسي في مطلع القرن التاسع عشر على خلفية الحروب النابليونية، مع تتبع مصائر عائلات أرستقراطية كبرى مثل آل روستوف، بولكونسكي وبيير بيزوخوف. تجمع الرواية بين التاريخ والخيال لتسبر أعماق الفرد والتاريخ معاً. في معركة أوسترليتز، خاض الجيش الفرنسي بقيادة نابليون ضد التحالف الروسي-النمساوي، الذي انهارت خططه عند التنفيذ، مما أدى إلى هزيمة التحالف. لم تكن الخسارة نتيجة نقص الشجاعة أو تفوق العدو، بل لأن الأحداث تفلت من إرادة القادة، وهو ما يعكس وهم السيطرة العقلية على الحرب كما يصوره تولستو، إذ أن أسباب الربح والخسارة مركبة وشديدة التعقيد لا يمكن السيطرة عليها على نحو كامل. في المقابل، يقدّم كوتوزوف (1745-1813) نموذج قيادة مختلفاً، يقوم على الصبر والانصياع للواقع والاستنزاف التدريجي للعدو. فخلال معركة بورودينو التي قادها غرب موسكو عام 1812 ضد نابليون، تكبّد الطرفان خسائر فادحة دون انتصار حاسم لأي منهما، ثم ...

رواية "موت إيفان إيليتش" لتولستوي

صورة
  هي رواية قصيرة نسبياً مقارنة بأعماله الأخرى مثل السلم والحرب وآنا كارنينا، نشرها عام 1886. اختار تولستوي (1828-1910) فيها التكثيف على السرد ليروي فيها فلسفته في الحياة، بعد أزمته الروحية التي مرّ بها في سبعينيات القرن التاسع عشر، وهي تجسّد عملياً أفكاره حول زيف الحياة الاجتماعية القائمة على المنفعة والمكانة، يجعل فيها مكانة عالية للأخلاق متمثلة في الصدق والرحمة، وفيها يظهر اعتباره للموت كمحك يكشف قيمة الحياة لا نقيضاً لها. وعبرها يجسّد تولستوي رؤيته للحياة الصالحة كما يراها. يروي فيها سيرة قاضٍ روسي هو إيفان إيليتش غولوفين، عاش حياة ناجحة اجتماعياً ومنسجمة ظاهرياً مع معايير الطبقة الوسطى. إثر إصابته بمرض عضال، يبدأ وعيه بالتحول؛ إذ يكتشف أن حياته، رغم استقامتها الشكلية، كانت خاوية من المعنى والصدق. ومع اقتراب الموت، تتكشف له برودة المحيطين به وزيف علاقاته، قبل أن يبلغ في لحظاته الأخيرة إدراكاً أخلاقياً متأخراً يخفف عنه رعب النهاية. تعتمد الرواية بنية تبدأ بالموت وتنتهي به، مما يحوّل السرد إلى محاكمة للحياة لا للمصير. أسلوب تولستوي مباشر ودقيق، خالٍ من الزخرفة، ويعكس فراغ العالم ا...

التركمان في الشرق الأوسط

صورة
هم شعب تركي الأصل، ينحدر معظمهم من الأوغوز، وهم فرع من الشعوب التركية الرحل في آسيا الوسطى التي هاجرت غرباً منذ العصور الوسطى مع توسع السلاجقة . أسهم الأوغوز في تأسيس إمبراطوريات مثل السلاجقة، وأصبحوا عبر التاريخ عنصراً أساسياً في الجيوش والإدارات في الأناضول و بلاد الشام . استقروا في العراق وسوريا وشرق الأناضول خلال العصور العثمانية ، حيث جلبهم السلاطين لتوطين مناطق استراتيجية، وحافظوا على دورهم العسكري والإداري والثقافي. بعضهم بقي سنياً، بينما تحول فرع آخر إلى الشيعة وأصبح يعرف بالقزلباش في إيران وشرق الأناضول، متميزاً بعقيدته ودوره العسكري ضمن الدولة الصفوية، مع جذور أغوزية مشتركة مع التركمان السنة. الفارق بين الأتراك والتركمان هو اختلافهم عبر التاريخ في بعض الخصائص. فالتركمان في الشرق الأوسط حافظوا على جزء من نمط حياة الرحل أو شبه الرحل، في حين أنّ الأتراك استقرّوا في الأناضول وشكلوا مجتمعاً حضرياً وزراعياً مستقراً. لغوياً، تطورت اللهجات بينهم على نحو مختلف، فالتركمان يحتفظون بخصائص تركية قديمة، بينما الأتراك في تركيا الحديثة يستخدمون اللغة التركية القياسية. كما اختلفوا دينياً أ...

حروب الوقاز وتأثيرها السكاني في الشرق الأوسط

صورة
شهد إقليم القوقاز خلال القرن التاسع عشر واحدة من أطول وأعنف الحروب في العصر الحديث، عُرفت بـ الحرب القوقازية (1817–1864)، ودارت أساساً بين الإمبراطورية الروسية وشعوب القوقاز المسلمة، ولا سيما الشركس والشيشان والداغستانيين. سعت روسيا إلى إخضاع القوقاز وتأمين حدودها الجنوبية، بينما قاومت المجتمعات المحلية دفاعاً عن استقلالها ونمط حياتها، في حرب اتخذت طابعاً دينياً وقومياً في آن واحد. انتهت الحرب بهزيمة القوقازيين وفرض السيطرة الروسية الكاملة، وترافقت مع سياسة تهجير قسري واسعة النطاق، تُعد من أكبر عمليات التطهير السكاني في القرن التاسع عشر. أُجبر ما بين مليون إلى مليون ونصف مليون مسلم على مغادرة ديارهم، وقضى عشرات الآلاف أثناء الترحيل بسبب الجوع والأوبئة. استقبلت الدولة العثمانية هؤلاء المهجّرين بوصفهم محاجِرين، وأعادت توطينهم في مناطق استراتيجية داخل الأناضول  و بلاد الشام  وفلسطين والأردن والعراق. أدى هذا التوطين إلى تغييرات ديمغرافية عميقة، وأسهم في تشكيل مجتمعات شركسية وشيشانية ما زالت قائمة حتى اليوم. لم يكن أثر حروب القوقاز إنسانياً فقط، بل سياسياً أيضاً؛ إذ استخدمت الدو...

حروب البلقان وتأثيرها السكاني في الشرق الأوسط

صورة
شهدت منطقة البلقان منذ أوائل القرن التاسع عشر سلسلة من الحروب والانتفاضات التي أنهت الوجود العثماني فيها تدريجياً، وخلّفت آثاراً عميقة تجاوزت حدودها الجغرافية إلى الشرق الأوسط . بدأت هذه التحولات مع الثورة الصربية (1804–1817) ثم حرب الاستقلال اليونانية (1821–1830)، حيث تشكلت دول قومية مسيحية على أنقاض الحكم العثماني. تسارعت العملية خلال الحرب الروسية-العثمانية (1877–1878) التي أفضت إلى استقلال أو توسيع صربيا و رومانيا و الجبل الأسود ، وقيام بلغاريا ، وترافقت مع موجات واسعة من العنف والتهجير ضد المسلمين. نتيجة هذه الحروب، تعرّض مئات الآلاف من المسلمين- من الأتراك والبوسنيين والألبان والسلاف المسلمين- للقتل أو الطرد أو الفرار، فيما عُرف بهجرات المحاجرين وفق المصطلح العثماني. استقبلتهم الدولة العثمانية وأعادت توطينهم في الأناضول و بلاد الشام وفلسطين والأردن، ما أدى إلى تغييرات ديمغرافية واجتماعية ملحوظة في هذه المناطق. بلغت عملية تفكك البلقان ذروتها في حروب البلقان (1912–1913)، حيث فقدت الدولة العثمانية تقريباً جميع ممتلكاتها الأوروبية، وتكرّست الدول القومية الجديدة على أساس إثني و...