المشاركات

إخوانُ الصفا وخِلّانُ الوفا

صورة
أطلقوا على أنفسهم هذه التسمية عن قصدٍ رمزيّ ودلالي، لا بوصفها لقباً عَرَضياً، بل تعبيراً مباشراً عن جوهر مشروعهم الفكري والأخلاقي. فهي تُشير إلى جماعة من الأصدقاء المتآخين، المتّحدين على صفاء النفس وصدق القصد، ويجمعهم السعي المشترك في طريق المعرفة والتهذيب، وهو ما يشكّل جوهر نشاطهم الفكري والتربوي. ويُرجّح الباحثون أن تكون هذه التسمية مستلهمة من قصة رمزية وردت في إحدى رسائلهم، هي قصة "الحمامة المطوّقة" المأخوذة من كليلة ودمنة، حيث تنجو مجموعة من الحمام من الشبكة بفضل التعاون والأخوّة. وقد اتّخذ إخوان الصفا من هذه القصة رمزاً لفكرتهم الأساسية، وهي أن الخلاص لا يتحقّق فردياً، بل جماعياً، من خلال التآزر المعرفي والأخلاقي. وهم جماعةٌ من المفكّرين والفلاسفة عُرفت بهذا الاسم لكونها جماعةً منظَّمة ذات مشروع فكري وأخلاقي مشترك. تمثّل هدفهم الأساسي في أمرين متلازمين: أولاً، تهذيب النفس وتطهيرها بالمعرفة والعلم ونشرهما بوصفهما طريقاً للخلاص الروحي، وثانياً، التوفيق بين الدين والفلسفة، إذ كانوا يعتقدون أن الشريعة والفلسفة لا تتعارضان، بل تتكاملان، وأن كليهما يقود إلى حقيقة واحدة إذا أُ...

رواية "الحرب والسلم" لليف تولستوي

صورة
المسودة التاسعة لبداية الرواية نشرها تولستوي (1828-1910) على شكل مسلسل روائي في مجلة "الرسول الروسي" بدءاً من عام 1865، ونشرت كرواية كاملة عام 1869. تصور هذه الرواية الضخمة المجتمع الروسي في مطلع القرن التاسع عشر على خلفية الحروب النابليونية، مع تتبع مصائر عائلات أرستقراطية كبرى مثل آل روستوف، بولكونسكي وبيير بيزوخوف. تجمع الرواية بين التاريخ والخيال لتسبر أعماق الفرد والتاريخ معاً. في معركة أوسترليتز، خاض الجيش الفرنسي بقيادة نابليون ضد التحالف الروسي-النمساوي، الذي انهارت خططه عند التنفيذ، مما أدى إلى هزيمة التحالف. لم تكن الخسارة نتيجة نقص الشجاعة أو تفوق العدو، بل لأن الأحداث تفلت من إرادة القادة، وهو ما يعكس وهم السيطرة العقلية على الحرب كما يصوره تولستو، إذ أن أسباب الربح والخسارة مركبة وشديدة التعقيد لا يمكن السيطرة عليها على نحو كامل. في المقابل، يقدّم كوتوزوف (1745-1813) نموذج قيادة مختلفاً، يقوم على الصبر والانصياع للواقع والاستنزاف التدريجي للعدو. فخلال معركة بورودينو التي قادها غرب موسكو عام 1812 ضد نابليون، تكبّد الطرفان خسائر فادحة دون انتصار حاسم لأي منهما، ثم ...

رواية "موت إيفان إيليتش" لتولستوي

صورة
  هي رواية قصيرة نسبياً مقارنة بأعماله الأخرى مثل السلم والحرب وآنا كارنينا، نشرها عام 1886. اختار تولستوي (1828-1910) فيها التكثيف على السرد ليروي فيها فلسفته في الحياة، بعد أزمته الروحية التي مرّ بها في سبعينيات القرن التاسع عشر، وهي تجسّد عملياً أفكاره حول زيف الحياة الاجتماعية القائمة على المنفعة والمكانة، يجعل فيها مكانة عالية للأخلاق متمثلة في الصدق والرحمة، وفيها يظهر اعتباره للموت كمحك يكشف قيمة الحياة لا نقيضاً لها. وعبرها يجسّد تولستوي رؤيته للحياة الصالحة كما يراها. يروي فيها سيرة قاضٍ روسي هو إيفان إيليتش غولوفين، عاش حياة ناجحة اجتماعياً ومنسجمة ظاهرياً مع معايير الطبقة الوسطى. إثر إصابته بمرض عضال، يبدأ وعيه بالتحول؛ إذ يكتشف أن حياته، رغم استقامتها الشكلية، كانت خاوية من المعنى والصدق. ومع اقتراب الموت، تتكشف له برودة المحيطين به وزيف علاقاته، قبل أن يبلغ في لحظاته الأخيرة إدراكاً أخلاقياً متأخراً يخفف عنه رعب النهاية. تعتمد الرواية بنية تبدأ بالموت وتنتهي به، مما يحوّل السرد إلى محاكمة للحياة لا للمصير. أسلوب تولستوي مباشر ودقيق، خالٍ من الزخرفة، ويعكس فراغ العالم ا...

التركمان في الشرق الأوسط

صورة
هم شعب تركي الأصل، ينحدر معظمهم من الأوغوز، وهم فرع من الشعوب التركية الرحل في آسيا الوسطى التي هاجرت غرباً منذ العصور الوسطى مع توسع السلاجقة. أسهم الأوغوز في تأسيس إمبراطوريات مثل السلاجقة، وأصبحوا عبر التاريخ عنصراً أساسياً في الجيوش والإدارات في الأناضول وبلاد الشام. استقروا في العراق وسوريا وشرق الأناضول خلال العصور العثمانية، حيث جلبهم السلاطين لتوطين مناطق استراتيجية، وحافظوا على دورهم العسكري والإداري والثقافي. بعضهم بقي سنياً، بينما تحول فرع آخر إلى الشيعة وأصبح يعرف بالقزلباش في إيران وشرق الأناضول، متميزاً بعقيدته ودوره العسكري ضمن الدولة الصفوية، مع جذور أغوزية مشتركة مع التركمان السنة. الفارق بين الأتراك والتركمان هو اختلافهم عبر التاريخ في بعض الخصائص. فالتركمان في الشرق الأوسط حافظوا على جزء من نمط حياة الرحل أو شبه الرحل، في حين أنّ الأتراك استقرّوا في الأناضول وشكلوا مجتمعاً حضرياً وزراعياً مستقراً. لغوياً، تطورت اللهجات بينهم على نحو مختلف، فالتركمان يحتفظون بخصائص تركية قديمة، بينما الأتراك في تركيا الحديثة يستخدمون اللغة التركية القياسية. كما اختلفوا دينياً أحياناً...

حروب الوقاز وتأثيرها السكاني في الشرق الأوسط

صورة
شهد إقليم القوقاز خلال القرن التاسع عشر واحدة من أطول وأعنف الحروب في العصر الحديث، عُرفت بـ الحرب القوقازية (1817–1864)، ودارت أساساً بين الإمبراطورية الروسية وشعوب القوقاز المسلمة، ولا سيما الشركس والشيشان والداغستانيين. سعت روسيا إلى إخضاع القوقاز وتأمين حدودها الجنوبية، بينما قاومت المجتمعات المحلية دفاعاً عن استقلالها ونمط حياتها، في حرب اتخذت طابعاً دينياً وقومياً في آن واحد. انتهت الحرب بهزيمة القوقازيين وفرض السيطرة الروسية الكاملة، وترافقت مع سياسة تهجير قسري واسعة النطاق، تُعد من أكبر عمليات التطهير السكاني في القرن التاسع عشر. أُجبر ما بين مليون إلى مليون ونصف مليون مسلم على مغادرة ديارهم، وقضى عشرات الآلاف أثناء الترحيل بسبب الجوع والأوبئة. استقبلت الدولة العثمانية هؤلاء المهجّرين بوصفهم محاجِرين، وأعادت توطينهم في مناطق استراتيجية داخل الأناضول، وبلاد الشام، وفلسطين، والأردن، والعراق. أدى هذا التوطين إلى تغييرات ديمغرافية عميقة، وأسهم في تشكيل مجتمعات شركسية وشيشانية ما زالت قائمة حتى اليوم. لم يكن أثر حروب القوقاز إنسانياً فقط، بل سياسياً أيضاً؛ إذ استخدمت الدولة العثمان...

حروب البلقان وتأثيرها السكاني في الشرق الأوسط

صورة
شهدت منطقة البلقان منذ أوائل القرن التاسع عشر سلسلة من الحروب والانتفاضات التي أنهت الوجود العثماني فيها تدريجياً، وخلّفت آثاراً عميقة تجاوزت حدودها الجغرافية إلى الشرق الأوسط . بدأت هذه التحولات مع الثورة الصربية (1804–1817) ثم حرب الاستقلال اليونانية (1821–1830)، حيث تشكلت دول قومية مسيحية على أنقاض الحكم العثماني. تسارعت العملية خلال الحرب الروسية-العثمانية (1877–1878) التي أفضت إلى استقلال أو توسيع صربيا و رومانيا و الجبل الأسود ، وقيام بلغاريا ، وترافقت مع موجات واسعة من العنف والتهجير ضد المسلمين. نتيجة هذه الحروب، تعرّض مئات الآلاف من المسلمين- من الأتراك والبوسنيين والألبان والسلاف المسلمين- للقتل أو الطرد أو الفرار، فيما عُرف بهجرات المحاجرين وفق المصطلح العثماني. استقبلتهم الدولة العثمانية وأعادت توطينهم في الأناضول و بلاد الشام وفلسطين والأردن، ما أدى إلى تغييرات ديمغرافية واجتماعية ملحوظة في هذه المناطق. بلغت عملية تفكك البلقان ذروتها في حروب البلقان (1912–1913)، حيث فقدت الدولة العثمانية تقريباً جميع ممتلكاتها الأوروبية، وتكرّست الدول القومية الجديدة على أساس إثني و...

استيلاء العثمانيين على بغداد

صورة
  حصار بغداد عام 1638 في إطار الصراع العثماني – الصفوي الذي بدأ مع مطلع القرن السادس عشر، قاد السلطان سليمان القانوني عام 1534م حملة عسكرية كبرى ضد الدولة الصفوية بهدف تثبيت النفوذ العثماني في العراق، وعلى رأسه مدينة بغداد ذات الأهمية السياسية والدينية والاقتصادية البالغة. حشد سليمان جيشاً ضخماً من نحو مئة ألف جندي، ضم وحدات الإنكشارية المشاة، وفرسان السباهية ، ومدفعية ميدانية فعّالة، إضافة إلى جهاز لوجستي واسع مكّن الجيش من التقدم لمسافات طويلة. في المقابل، امتلك الصفويون بقيادة طهماسب الأول قوة عسكرية أقل عدداً، قُدِّرت بنحو ثلاثين إلى خمسين ألف مقاتل، اعتمدت أساساً على فرسان القزلباش المعروفين بالقتال المباشر والسلاح الأبيض، مع ضعف ملحوظ في المدفعية والأسلحة النارية مقارنة بالعثمانيين. وإدراكاً منهم لتفوق الجيش العثماني عددياً وتنظيمياً، تجنّب الصفويون خوض معركة فاصلة، واعتمدوا بدلاً من ذلك تكتيك الأرض المحروقة، فقاموا بإخلاء المناطق الواقعة على خط تقدم العثمانيين وتدمير الموارد والمؤن لإعاقة الإمداد وإطالة أمد الحملة. ومع ذلك، لم ينجح هذا التكتيك في وقف التقدم العثماني. فعند...

معركة جالديران

صورة
برز في مطلع القرن السادس عشر صراع حاسم في الشرق الإسلامي بين قوتين صاعدتين هما الدولة العثمانية السُّنية في الأناضول و البلقان ، والدولة الصفوية الشيعية الإثني عشرية في إيران و أذربيجان . لم يكن هذا الصراع مجرد نزاع حدودي، بل كان صراعاً مركباً على الشرعية الدينية، وقيادة العالم الإسلامي، والنفوذ السياسي والعسكري. أسس الشاه إسماعيل الصفوي دولته عام 1501، وفرض التشيّع الإثني عشري مذهباً رسمياً، وسعى إلى نشره خارج إيران، ولا سيما في شرق الأناضول، معتمداً على جماعات القزلباش (ذوو القلنسوات الحمراء، وهم من التركمان في غالبيتهم الساحقة) التي نشطت داخل الأراضي العثمانية. وقد مثّل هذا التمدد المذهبي تهديداً مباشراً لوحدة الدولة العثمانية السنية. وزاد التوتر حين قدّم الصفويون دعماً سياسياً ومعنوياً للأمير أحمد، أحد أبناء السلطان بايزيد الثاني ومنافسي سليم على العرش، وهو ما اعتبره سليم الأول تدخلاً خطيراً في الشؤون الداخلية العثمانية. تبنّى سليم الأول، بعد توليه السلطنة عام 1512م، سياسة حازمة تجاه الصفويين، شملت قمع أنصارهم في الأناضول، ثم الإعداد لمواجهة عسكرية تهدف إلى تحجيم المشروع الصفوي...

ما اللغة؟

صورة
اللغة هي نظام من الرموز الصوتية والكتابية الاعتباطية، تتواضع عليها جماعة بشرية بهدف التواصل، والتعبير عن الفكر، وبناء المعنى، وصياغة التجربة الفردية والجماعية. وهي، بهذا المعنى، ظاهرة اجتماعية ورمزية تتجاوز كونها مجرد أداة تقنية للتخاطب. وقد اختصّ الإنسان باللغة المنطوقة والمكتوبة دون غيره من الكائنات، غير أنّ ذلك لا يعني أن الكائنات الأخرى تفتقر إلى أنماط من التواصل، إذ تمتلك الطيور والدلافين و الفيل ة و النحل ، وغيرها، أشكالاً من التواصل الوظيفي، وإن لم ترقَ إلى مستوى اللغة الإنسانية من حيث التركيب والدلالة والتجريد. واللغة ليست وسيلة التواصل الوحيدة لدى الإنسان، لكنها الأكثر نجاعة وقدرة على التعبير عمّا يدور في الذهن، فضلاً عن كونها تُحرّر الأعضاء الأخرى، كاليدين والوجه، من الاضطلاع بوظيفة التواصل المباشر. اعتبرها أرسطو وسيطاً بين العقل و العالم . ونظر الفراهيدي إلى اللغة بوصفها نظاماً صوتياً منضبطاً، في حين أضاف ابن جني إلى هذا التصور بعدها الاجتماعي والوظيفي. وفي اللسانيات الحديثة، ميّز فردينان دو سوسير بين اللغة باعتبارها نظاماً اجتماعياً مجرداً، والكلام باعتباره استعمالاً فرديا...

المكان

صورة
في التعريف العام المباشر، هو الإطار الذي تُحدَّد فيه مواضع الأشياء، وتُدرَك داخله العلاقات المكانية، مثل القرب والبعد، والداخل والخارج، والأعلى والأسفل، والثبات والحركة. غير أنّ المكان لا يقتصر على كونه امتداداً هندسياً قابلاً للقياس، بل هو مفهوم مركّب تتداخل فيه أبعاد متعدّدة: فيزيائية وإدراكية ووجودية واجتماعية رمزية. عرّف أرسطو المكان بوصفه الحدّ الداخلي للجسم الحاوي (Topos)، أي إنه تابع للأجسام ولا وجود له مستقلاً عنها. وعلى النقيض من ذلك، رأى ديموقريطس في المكان فراغاً موجوداً وجوداً حقيقياً تتحرك فيه الذرّات ، معتبراً أن الحركة لا يمكن أن تتحقق بدونه. أمّا ديكارت فقد اختزل المكان في الامتداد، وجعله موضوعاً رياضياً خالصاً قابلاً للقياس. ومع نيوتن ، اكتسب المكان طابعاً مطلقاً، لامتناهياً وثابتاً، تُقاس الحركة بالنسبة إليه، مما جعله أشبه بـوعاء محايد يحتوي الأجسام دون أن يتأثر بها. غير أنّ هذا التصور تعرّض لزعزعة جذرية مع آينشتاين ، الذي أعاد تعريف المكان ضمن إطار النسبية ، حيث لم يعد كياناً مستقلاً أو ثابتاً، بل أصبح نسبياً ومندمجاً بالزمان في بنية واحدة هي الزمكان. فوفق النسبية ا...

معركة مرج دابق (1516م)

صورة
وقعت معركة مرج دابق بين العثمانيين بقيادة السلطان سليم الأول و المماليك بقيادة السلطان قنصوه الغوري في صيف 1516 قرب حلب . بسبب تصاعد التوتر بين الدولة العثمانية والمماليك بسبب النفوذ في الشام والحج. حشد العثمانيون جيشاً كبيراً يقدر بـ نحو 60 ألف مقاتل، بينما قاد الغوري جيشاً مملوكياً أصغر من 35 إلى 40 ألف مقاتل. اعتمد المماليك في المعركة على الفروسية الثقيلة والرماح والسيوف، ولم يستخدموا السلاح الناري تقريباً، بينما كان العثمانيون متفوقين تكتيكياً بما لديهم من مدفعية متقدمة وبنادق منظمة. أسفر التفوق الناري والتنظيمي للعثمانيين عن انهيار الصفوف المملوكية بسرعة، وهرب السلطان قنصوه الغوري إلى حلب لكنه توفي لاحقاً، وهو ما أتاح للعثمانيين السيطرة على الشام بالكامل. كانت خسائر المماليك كبيرة جداً، تقدر بما بين 20 إلى 30 ألف قتيل، في حين قُتل أو جرح من العثمانيين حوالي 2 إلى 4 آلاف جندي تقريباً، وفقاً للمصادر التاريخية. نتيجة المعركة لم تسقط المماليك تماماً، إذ ظل حكمهم قائماً في مصر، لكن الانتصار العثماني جعلهم يهيمنون على الشام شماليها وجنوبيها، ومهد الطريق ل معركة الريدانية التي حسمت ...

معركة الريدانية

صورة
وقعت بين العثمانيين و المماليك في كانون الثاني عام 1517 قرب القاهرة ، في المنطقة التي تعرف اليوم بالعباسية. بعد هزيمتهم في مرج دابق عام 1516، لم يسقط حكم المماليك على مصر، فحشد السلطان سليم الأول جيشاً لا يقل عن ستين ألف جندي لملاحقتهم. من جهته، حاول طومان باي تنظيم جيشه الذي كان أقل من أربعين ألف مقاتل، واختار موقع الريدانية للدفاع، فبنى متاريس واستخدم المدافع الثابتة لأول مرة عملياً، على عكس مرج دابق. ومع ذلك، التف العثمانيون على المواقع الدفاعية عبر الصحراء الشرقية، ما أجبر المماليك على الانسحاب والدخول في معركة قصيرة داخل القاهرة. بعد عدة أيام، أُلقي القبض على طومان باي وأُعدم قرب باب زويلة، وانتهت بذلك سلطة المماليك المستقلة التي استمرت قرابة 270 عاماً. أصبحت مصر ولاية عثمانية، وبقي المماليك في إدارة البلاد كطبقة حاكمة محلية، بينما كان الوالي العثماني يمثل السلطة الرمزية. تشير التقديرات إلى سقوط نحو سبعة آلاف من المماليك ونحو ألفي جندي عثماني. ونقل الانتصار العثماني مركز الثقل السياسي في العالم الإسلامي إلى إسطنبول .

الحرب الأهلية البريطانية (1642–1651)

صورة
وقعت بين الملك تشارلز الأول وحلفائه من الأرستقراطية والنبالة و الكنيسة ، الذين دعموا الحق الإلهي للملك، من جهة، وبين البرلمانيين بقيادة أوليفر كرومويل وأتباعهم من التجار والفلاحين المستقلين والأطهار الدينيين الأصوليين Puritans، الذين سعوا للحد من سلطات الملك وتحقيق مشاركة سياسية أوسع. تعود أسباب الحرب إلى تمسك الملك بتطبيق سلطته المطلقة وفرض الضرائب دون موافقة البرلمان ، إضافة إلى التوترات الدينية بين الكنيسة الإنجليكانية الأطهار الأصوليين Puritans، والمخاوف من محاولات الملك فرض طقوس قريبة من الكاثوليكية ، والاحتجاجات على الاستبداد والضرائب. كانت الحرب في ثلاث مراحل: 1642–1646: انتصارات أولية للملكيين، قبل أن يتمكن البرلمانيون من تنظيم جيشهم الجديد. 1648–1649: استعاد البرلمانيون زمام المبادرة، وانتهت بإعدام تشارلز الأول عام 1649 وإعلان جمهورية إنجلترا (Commonwealth) بقيادة أوليفر كرومويل. 1649–1651: حاول الملكيون بقيادة تشارلز الثاني استعادة العرش، لكنه انتهى بانتصار البرلمانيين في معركة وسترن عام 1651. بعد وفاة كرومويل، لم يتمكن ابنه ريتشارد من السيطرة على الحكم، فانتشرت الفوضى. أد...

موجز الأورغانون الجديد (Novum Organum) لفرانسيس بيكون

صورة
سيطر أورغانون أرسطو زمناً طويلاً على الفلسفة ، ولا سيما على المنطق . ولما كان مجال هذا المنطق هو الجدل والفتوى أكثر من كونه أداةً للاكتشاف العلمي، سعى المفكر ورجل الدولة البريطاني فرانسيس بيكون إلى كتابة "أورغانون جديد" يساعد على الاكتشاف العلمي، لا بالجدل وحده. فقد كان بيكون يعتقد أن في العلم نفعاً مباشراً للبشرية، وأن العلم ليس تأمّلاً نظرياً خالصاً، بل أداة لتحسين حياة البشر والسيطرة على الطبيعة لصالحهم. ومن هذا المنطلق كان تصوّره للمجتمع العلمي المستقبلي يحمل طابعاً طوباوياً إلى حدّ ما، إذ تخيّل مجتمعاً تحكمه المعرفة والعلم. يرى بيكون أن المنطق الأرسطي الصوري (القياسي) لا يؤدي إلى اكتشاف معارف جديدة، بل يكتفي بتأكيد ما هو معلوم سلفاً. فحين نقول مثلاً: المعادن تتمدّد بالحرارة، الحديد معدن، إذن الحديد يتمدّد بالحرارة، فنحن لا نضيف معرفة جديدة، بل نستخرج نتيجة متضمَّنة في المقدمات. بل إن هذا المنطق قد يؤدي أحياناً إلى مغالطات إذا كانت مقدماته خاطئة، كما في القول: الأجسام الثقيلة تسقط أسرع من الأجسام الخفيفة، الحجر أثقل من الخشب، إذن قطعة حجر صغيرة ستصل إلى الأرض قبل قطعة ...

موجز كتاب الأرغانون (Organon) لأرسطو

صورة
عنوان الكتاب يعني "الأداة"، وهو مجموعة من الفصول المنطقية التي وضعت أسس التفكير الصحيح والتحليل العلمي في الفلسفة الغربية، ويُعدّ أداة العقل للوصول إلى المعرفة. يتكوّن عادةً من ستة كتب رئيسية، صاغها أرسطو على شكل محاضرات بدءاً بين 322 و 335 قبل الميلاد، وجمعها طلابه فيما بعد. كل فصل منه يقدّم أدوات محددة لفهم الواقع والتحليل المنطقي: التصانيف أو الفئات (Categories): تصنيف كل ما يمكن التحدث عنه إلى عشر فئات أساسية: الجوهر ( الإنسان ، النبات )، الكم (خمسة أمتار)، النوع/الصفة (طويل، أبيض)، المكان (الجبل، الحديقة)، الزمان (ليل، نهار)، الوضعية (جالس، مستلقٍ)، الحالة/المصاب (مسلح، مريض)، الفعل (يركض، يعمل)، المصاب أو ما يُفعل بالشيء (يُضرب، يُؤكل)، والعلاقة (أكبر من، صداقة، عداوة).  هذا التصنيف يسمح بتمييز الجوهر عن الصفات العرضية، ويعد الأساس لكل استدلال لاحق. المقدمات (On Interpretation): دراسة العلاقة بين اللغة والمعنى، وكيفية بناء الأحكام الصحيحة والكاذبة. مثال: "كل إنسان فانٍ" (حقيقة كلية)، "الأشجار تمشي ليلاً" (غير صحيحة).  تساعد هذه المقدمات على تأسيس ال...